جدل: لا حياد مع الوطن

الجمعة 2013/11/22
جماعات الإسلام السياسي تتميّز بأنها تحسن استدعاء صور من التاريخ

● أحمد محمد الدغشي


السلفية في اليمن من الدعوة إلى الحزب



يأتي الحديث عن السلفية في اليمن وجذورها الفكرية متساوقاً مع النسق المعرفي الأصولي العام ذي التكوين السني الخاص، المتأثر بالأصول الإسلامية الفكرية العامة، إلى جانب التحديات ذات الخصوصية، تلك التي تشكّلت قبل نحو مئتيْ عام أي في القرن الثاني عشر الهجري على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت 1791)، وانعكست آثارها المعرفية والسلوكية على أقطار كثيرة في المشرق والمغرب، لعل من أقربها اليمن، نظراً لعلاقة التماس الجغرافية بين القطرين، وظاهرة الطلب (دراسة العلوم الشرعية) في العربية السعودية. ومع أن البيئة اليمنية بشقيها الشافعي والزيدي لا تلتقي مع المنهجية السلفية الخاصة على نحو يذكر، إلا أن عامل التلمذة لبعض الشخصيات من أبناء المذهبين، التي اتجهت نحو الجارة الشقيقة (العربية السعودية)، وتلقت تعليمها في جامعاتها ومدارسها ومعاهدها منذ عقد السبعينات من القرن الماضي كان له أثره في تكوين بعض تلك الشخصيات وانصباغها كليا أو جزئيا بفكر تلك البيئة المدرسي.


● فتحي المسكيني


الأمنيون بعد الديكتاتورية


نحن نوجد الآن في مساحة تاريخية وسطى، بين دولة سقطت ودولة لم تقم بعد: بين فترة الدول الأمنية الهووية، التي تحتكر العنف المشروع وتعفي الشعوب، من مهمة تحقيق «الأمن» لأنه بالأساس «أمن الدولة»، وفترة الدول المدنية الديمقراطية التي يكون على كل مواطن فيها أن يشارك في تسيير الفضاء العمومي لحريته من خلال التزامه بقضايا المجتمع المدني الذي ينتمي إليه.

لكن ما يضفي هشاشة على هذه الفترة الانتقالية هو ظهور طمع سياسي وقح وشرس تمثله كل أجهزة التشريع التقليدية من أجل أخذ مكان الدولة الأمنية والاستعاضة عنها بنمط غير حديث من الحكم: إنه حكم «الملة» وليس «الأمة» كما يظن البعض في خلط مريب بين المفهومين.

إذ لا يخلو وجود أي شعب من شعور ما بالانتماء إلى «أمة»، بل هذا النوع من الانتماء هو الرحم الروحي لأي هوية ثقافية في صحة جيدة. لكن حكم الملة شيئا آخر: إنه الوهم السياسي اللاهوتي بامتياز. الوهم بأن الدولة شأن ديني، خاص بجماعة روحية، وبأن المحكومين هم جماعة المؤمنين تحت سلطة أولي الأمر.


● مصطفى القلعي



لا حياد مع الوطن


أنطلق من مسلمة رئيسية مفادها أن حركة النهضة الإسلامية التونسية هي فرع من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين. وقد عملت النّهضة على تكوين تيار إخواني أو في خدمة المشروع الإخواني، يتكون من الأحزاب الدينية الصريحة أو المتسترة، ومن الأذرع العنفية الناشطة والنائمة. ولذلك لم يكن اختيار رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي نائبا للأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين صدفة ولا اتفاقا. فرئيس الاتحاد مصري، وأمينه العام قطري، ونائب أمينه العام تونسي، ومقره قطر. وتونس ومصر هما الدولتان اللتان منهما اشتعلت الثورات العربية. وقطر هي الدولة التي لم تخف تعاونها مع إخوان مصر وتونس ودعمها لهما.

ولا ننس أن راشد الغنوشي قال أثناء استقباله للقرضاوي في مطار تونس قرطاج يوم 20 نيسان 2013: «إن الثورات العربية قد خرجت من تحت عباءة القرضاوي» والغريب أن الغنوشي نفسه كان قد قال على قناة الحوار في لندن، وقبل سقوط نظام بن علي، إن الثورة التونسية اندلعت من مقرات الاتحاد العام التونسي للشغل، وحين عاد إلى تونس واستلم السلطة، نقل الغنوشي الثورة التونسية من مقرات اتحاد الشغل إلى عباءة القرضاوي.


● نضال الربضي


أصل مشكلة حركات الإسلام السياسي


تتميز جماعات الإسلام السياسي بأنها تحسن استدعاء صور من التاريخ كان لها ما يبررها وقتها فتسقط نفس الصور على خصومها دون قياس للفارق في الظرف، فتشيطن المخالفين وتكفرهم وتهدر دماءهم وتتعدى على حُرماتهم وتحلل لنفسها وتحرِّم على غيرها، وهي تظن أنها في انعزالها عن الواقع إنما تعود إلى جوهر الدين وأصله وتتمم قصده وغايته وتنجو من النار وتفوز بالجنة ونعيمها وتنال رضوانا من الله بينما يبوء الآخرون بخسران ووبال وشر مستطير.

ورغم أنها ترى لنفسها الحق في قتال غيرها لا ترى لغيرها الحق في الدفاع عن نفسه، فإن فعل فهو محارب لله ولرسوله وللحق المبين، وإن حاول أن يتقرب منها ليجد موقفا وسطا لا يضطره إلى قتال فهو خائف منها جبان وفي هذا تأكيد لقوتها وعزتها واصطفافها إلى جانب الحق كما تظن وبالتالي فمزيد من الثبات على موقفها، أو هو نفاق وتقية يمارسها أعداؤها ضدها حتى يخدعوها ويتمكنوا منها.


● عبدالمجيد اسماعيل الشهاوي



وهل ماتت دولة الإسلام؟


كانت الدولة العربية الإسلامية، تلك التي أسستها بعض القبائل العربية بالتحالف فيما بينها مع بداية الدعوة لدين الإسلام وكأداة أساسية لنشره، قد تصدعت وسقطت مع نهاية الخلافة العباسية أمام قوى احتلال أجنبية غير عربية، حتى لو اعتنقت الإسلام فيما بعد. لكن رغم سقوط الدولة العربية الإسلامية، لم تسقط ولم تزل معها بالتبعية الهوية أو الثقافة أو الحضارة العربية الإسلامية، رغم تأثرها بالضرورة بضعف وهوان العرب وزوال سيادتهم على مصيرهم والخضوع لهيمنة قوى أجنبية ذات هويات وثقافات مغايرة.

رغم سقوط وانقطاع السياسة والعسكرية العربية منذ مئات السنين وتداعيات ذلك بالضرورة على المجتمع العربي الإسلامي الأوسع بجميع أبعاده، لا تزال الهوية والثقافة والحضارة العربية الإسلامية مستمرة ونابضة بالحياة حتى اليوم، رغم ما أصابها من تشويه وضعف وجمود وتكلس وتخلف خلال تلك القرون الطويلة من فقدان الاستقلال الذاتي والإذعان لنفوذ، وثقافة، محتل أجنبي مهما كان منشأه.

13