جدل لبناني حول تداعيات تدخل حزب الله في سوريا على معركة عرسال

الثلاثاء 2014/08/12
الجيش اللبناني يؤكد أنه يحارب الإرهاب وهو على استعداد تام للحفاظ على وحدة الشعب وأمنه

بيروت ـ أشارت الأحداث الأخيرة في منطقة عرسال شمال لبنان إلى تطور خطير في الوضع السياسي والأمني المضطرب في الشرق العربي. فقد تمكنت مجموعة مسلحة محسوبة على التنظيم الإرهابي “داعش” من التسلل إلى جرود عرسال والتمركز في بعض هضابها الحدودية الوعرة مع سوريا، وتبادل إطلاق النار مع قوات الجيش اللبناني لتلحق أضرارا بالجيش متمثلة في قتل وجرح العشرات من الجنود.

وقد وضع هذا التطور مسألة تدخل حزب الله في النزاع الدائر في سوريا منذ حوالي ثلاث سنوات داخل الجدل الذي تشهده الساحة اللبنانية حول مبررات ذاك التدخل. ورغم أن الحزب برر تدخله في الحرب بدعوى حماية لبنان من الإرهاب القادم من الشرق، خاصة العراق مرورا بسوريا، إلا أن التدخل (تحت هذه الذريعة) أثبت قصوره مع الوقت، واتضح أنه لم يكن في سوريا فقط بل لحقه تدخل في العراق “بدافع طائفي واضح” ولحماية خط الإمداد القادم من طهران عبر دمشق، بالمال والسلاح.

وقد ذهب خط 14 آذار إلى التأكيد على أن ما يحدث في عرسال سببه الرئيسي “الصورة الطائفية التي أصبغت الصراع في سوريا والعراق وقد انتقلت العدوى إلى لبنان منذ مدة” والذي يعاني بدوره من توافد اللاجئين، بما يمثله ذلك من خطر تسلل العناصر الإرهابية إليه. وأبرز التصريحات في هذا الخصوص كانت من قبل مستشار رئيس حزب القوات اللبنانية وهبي قاطيشا.

أما عن القائلين إن ما يحدث في عرسال مسألة خارجة عن ديناميكية الصراع السياسي في لبنان ولا دخل لحزب الله في الموضوع، فأبرزهم وزير العمل اللبناني سجعان قزي (عن حزب الكتائب).


ما يحصل سببه تدخل حزب الله في الحرب السورية


“هي مؤامرة أسدية إيرانية تستهدف عرسال وأمن لبنان”. هكذا صرح مستشار رئيس حزب القوات اللبنانية وهبي قاطيشا لدى عرضه لموقف الحزب من أحداث عرسال الأخيرة.

وهبي قاطيشا: مستشار رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من مواليد مدينة عكار شمال لبنان وهو أستاذ محاضر في الجامعة الشعبية للقوات اللبنانية.

وقد أكد قاطيشا في جميع مداخلاته حول المستجدات في شمال لبنان أن ما يحدث في سوريا منذ ثلاث سنوات له انعكاسات طبيعية ومتوقعة على لبنان نظرا لتاريخ المنطقة والامتداد الجغرافي والسكني المتنوع والواحد، وبالنظر أيضا إلى المدة التي تواجد فيها الجيش السوري في لبنان طيلة سنوات قبل خروجه. وفي سياق حديثه عن تفاصيل انعكاسات الحرب الدائرة في سوريا على لبنان، أوضح وهبي قاطيشا أن التركيبة الإثنية والطائفية بين لبنان وسوريا تقريبا متشابهتان، رغم وجود بعض الاختلافات، وبالتالي فإن “مايحدث في سوريا سوف يسمع صداه في لبنان”.

وقد صرح قاطيشا بوضوح في حديث تلفزيوني له قائلا إن “تدخل حزب الله في سوريا وكلام الأمين العام للحزب حسن نصر الله على أنه تدخل سوف يحمي لبنان من الإرهاب لم يكن سوى وهما”، وضرب مثال الأحداث الأخيرة في منطقة عرسال، بعد أن تمكن الإرهابيون من التسلل والاشتباك مع الجيش وإيقاع ضحايا في صفوفه.

ويتوسع قاطيشا في تحليله للبعد الإقليمي لسلاح حزب الله، متحدثا عن الأدوار التي يقوم بها لصالح استراتيجيته الخاصة والحزبية الضيقة المرتكزة على الولاء الطائفي والمصلحة الحزبية قبل المصلحة الوطنية والوحدة اللبنانية. فأمنيا، وجود فصيل مسلح مثل حزب الله بتلك القوة والقدرة على التحرك الواسع يمثل “خطرا على الدولة ومؤسساتها”، قائلا إن الحزب في المسألة الأمنية الإقليمية للبنان “قد أثبت فشله”.

وأما عن الجيش وخطورة ما يحدث والمنتظر حدوثه فإن عديد الأطراف في لبنان تنظر بعين الريبة من حدوث انقسام ما في مؤسسات الدولة والجيش، خاصة وأن الوضع السياسي اللبناني يشهد حالة غير مسبوقة من التحرك والأخذ والرد في ظل غياب لرئيس للجمهورية يحظى بتوافق بين الفرقاء السياسيين، ما يؤكد اتجاه الوضع إلى مزيد من التوتر والاضطراب.

ويضيف وهبي قاطيشا إن “حزب الله يدفع المسلحين باتجاه لبنان من أجل الإيحاء بأنه ضرورة لمواجهة أي تطرف”، وهي الصورة التي بدأ الحزب في ترويجها منذ إعلانه الدخول في معارك مع الجيش السوري ضد الجماعات المقاتلة بمختلف اتجاهاتها والمعارضة للنظام السوري وليس فقط الجماعات الإرهابية المتطرفة، وهو بهذا الأمر “زج الجيش بشكل غير مباشرة في معركة عرسال” ليثبت أن مقاتلي الحزب قادرون على القتال تماما كالجيش.

ويضيف مستشار حزب القوات اللبنانية “نحن نترك الحدود مهملة ونضع المؤسسة العسكرية متراسا، مجبرين إياها على مواجهة الإرهاب، الأمر الذي أدى وسيؤدي إلى سقوط عدد من الأبرياء، ما سيزيد من الشرخ” وهو الأمر الذي يبحث عنه حزب الله لتهيئة ظروف تدخله عسكريا وإعلاميا، مستدركا بالقول: “هذا لا يعني أن الجيش ممنوع عليه مواجهة هذه الجماعات، بيد أن من واجبه أن يقف سدا منيعا على الحدود مانعا حزب الله من الذهاب إلى سوريا والمسلحين من الدخول إلى لبنان وهذا هو دوره”. وقد أشار في الحين ذاته أن الغطاء السياسي لعمل الجيش على الأرض “موجود داخل 14 آذار فقط، خاصة أن حزب الله يريده درعا لمشروعه السياسي الخاص والضيق”.
إن تدخل حزب الله في سوريا وكلام الأمين العام للحزب حسن نصر الله على أنه تدخل سوف يحمي لبنان من الإرهاب لم يكن سوى وهما

وقد حمل المستشار الحزبي قاطيشا المسؤولية الأمنية والاستراتيجية لأمن لبنان لحزب الله مؤكدا أن بداية الإشكالات هي في دخول مقاتلي الحزب في حرب خارجة (نظريا) عن مجال مبررات تواجده في لبنان وهي محاربة إسرائيل، قائلا: “نحن ندعو حزب الله إلى الانسحاب من سوريا، لأن مشاركته في القتال هناك أدخلت لبنان في هذا النفق”.


لا دخل لحزب الله في عرسال وندعو اللبنانيين إلى الوحدة


اتخذ الكلام حول أحداث عرسال الأخيرة اتجاها جداليا بين الفرقاء المختلفين على الساحة اللبنانية وصل إلى داخل الحكومة نفسها خاصة وأن فريقا من الوزراء أدلى بتصريحات متتالية للدفاع عن حزب الله الذي “لا يعد سببا في أحداث عرسال” حسب قولهم.

سجعان قزي: وزير العمل اللبناني ونائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية أمين الجميل. من مواليد بلدة العقيبة وسط لبنان وصدرت له عدة دراسات في المجال السياسي باللغة الفرنسية.

فقد أكد وزير العمل سجعان قزي أن “لا أحد يتمنى أن تستمر الحرب”، مشيرا إلى أنه “لا نريد أن يكون وقف إطلاق النار على حساب الجيش وأمن أهالي عرسال وعلى حساب الشهداء، كي لا يكون وقف إطلاق النار مقنعا لمزيد من التسليح واستقدام المزيد من المسلحين”.

وشدد قزي في حديث تلفزيوني على أن “من يتحدث باسم تيار “المستقبل” هو رئيس تيار “المستقبل” النائب سعد الحريري، وغيره من القادة الأساسيين في التيار الذين أدلوا بتصاريح وطنية داعمة للجيش”، لافتا إلى أن “الحريري دعا إلى ضبط الوضع”، مضيفا: “أما بالنسبة لتصريح نواب طرابلس (ومن بينهم وهبي قاطيشا عن حزب القوات اللبنانية)، فالتشكيك يذكرني بتصاريح قديمة وهي نوع من التمرد على الجيش وتشجيع القوى الغريبة للاعتداء على لبنان” وذلك في إشارة إلى انتقاد نواب 14 آذار لسلاح حزب الله وتحمليه المسؤولية في ما يحدث في عرسال على أساس أن تدخل حزب الله في سوريا استفز الجماعات الإرهابية لاستهداف لبنان.

ورأى سجعان قزي أن “ما يجري في عرسال ليس معركة بين المسلحين والجيش، بل هو اعتداء خارجي منظم يأتي في ثلاثة أبعاد، أولها الحرب السورية، وثانيها الفتنة السنية الشيعية، أما ثالثها فهي إعادة كيانات الشرق الأوسط” قاصدا مسألة التقسيم الطائفي والإثني الذي تتسبب فيه الجماعات المتطرفة (السنية)، لافتا إلى أن “تنظيم “داعش” مدعوم من قبل دول عربية وعالمية، وعلى هذه الدول أن تتوقف عن السياسة المزدوجة”.

وأوضح أن “حزب “الكتائب” ومن خلال رئيسه النائب أمين الجميل طرح فكرة مد القرار 1701 إلى الحدود اللبنانية السورية لأن وضع الجيش وحده واستنزافه سيعطله ويسيىء إلى الوحدة اللبنانية”، مشددا على “ضرورة اتخاذ إجراءات عملية مع الأمم المتحدة لحماية لبنان”. وقد أكد مراقبون في هذا الصدد أن القصد الفعلي لتمديد قرار 1701 هو السماح لحزب الله التدخل في المعركة والبحث عن دعم ما للجيش اللبناني الذي إذا اشتدت المعارك ضد الإرهابيين سوف “يحتاج مساعدة”.

وتمنى قزي أن “ينظر إلى هذا الاقتراح بإيجابية لأنه لا يطرح من خلال الإصطفافات”، مؤكدا أن “علاقة “الكتائب” مع “حزب الله” منفتحة وإيجابية”، لافتا إلى أن “السبب الجوهري لما حصل بعرسال ليس بسبب تدخل حزب الله في سوريا”.

وقد أكدت أوساط قيادية في حزب الله أن الحزب لم يتدخل، حتى الآن، في المعركة ضد المسلحين بجرود عرسال لا من قريب ولا من بعيد ولا يتدخل في عمل الجيش، وإن كان يتخذ أقصى درجات التحسب، مشيرا إلى أن الحزب يتخذ إجراءات حماية احترازية في القرى اللبنانية المتاخمة للحدود السورية.

إلى ذلك استغربت أوساط حكومية في فريق 8 آذار ربط بعض الأصوات، خصوصا في 14 آذار بين المعركة ضد الجيش وبين وجود حزب الله في سوريا ومن بينهم سجعان قزي. وأشارت الأوساط في تصريحاتها لصحف لبنانية محلية إلى أن هدف المسلحين المعلن من وراء هذه الحرب هو تحرير الموقوف “جمعة”، وقد سبق وأن هددوا باستهداف الجيش بسبب إجراءاته الأمنية، “فما دخل حزب الله؟” حسب تصريح قزي. وقالت الأوساط إن “ما يجري في جرود عرسال هو عدوان على لبنان وأي كلام آخر يكون بمثابة تغطية سياسية له، ويجب أن تعي كل الأطراف أهمية الإلتفاف حول الجيش والدولة حرصا على وحدة البلد”.

يجب السماح لحزب الله بالتدخل في المعركة والبحث عن دعم ما للجيش اللبناني الذي إذا اشتدت المعارك ضد الإرهابيين سوف يحتاج مساعدة


الإرهاب يستهدف لبنان والجيش مستعد لكل الاحتمالات


طالب قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي “بالإسراع في تزويد الجيش بالأسلحة الفرنسية”، في وقت يخوض الجيش منذ أكثر من أسبوع معارك مع مسلحين في محيط بلدة عرسال الحدودية مع سوريا، ملحقة خسائر في الأرواح فاقت الـ18 قتيلا في صفوف الجيش اللبناني.

وحذر قهوجي من خطورة الوضع في عرسال، مؤكدا مواصلة الجيش المعركة مع مسلحين هاجموا مراكزه في أيام سابقة إثر توقيفه قياديا جهاديا. ونعت قيادة الجيش في بيان الأحد الماضي “الجندي أول عبدالحميد نوح (36 عاما) الذي استشهد صباح الأحد متأثرا بجروح أصيب بها خلال الاشتباكات التي خاضها الجيش ضد المجموعات الإرهابية في منطقة عرسال”، ما يرفع حصيلة قتلى الجيش في المعارك إلى 18 عسكريا بينهم ثلاثة ضباط.

وقال قهوجي “هذه المعركة تستلزم معدات وآليات وتقنيات يفتقد إليها الجيش، ومن هنا ضرورة الإسراع في تزويده بالمساعدات العسكرية اللازمة، عبر تثبيت لوائح الأسلحة المطلوبة ضمن الهبة السعودية عبر فرنسا ومؤتمر روما لدعم الجيش”.

ولم يحدد الجيش تفاصيل هذه اللوائح، والتي تأتي ضمن هبة قيمتها ثلاثة مليار دولار أميركي، أعلنت السعودية في ديسمبر 2013 تخصيصها لشراء أسلحة من فرنسا لصالح الجيش اللبناني. وعقد مؤتمر روما في يونيو الماضي، وتخلله التزام دول عدة أبرزها الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا بمشاريع لدعم الجيش الذي يعاني من نقص في التسليح، لا سيما الأسلحة الحديثة.

وكان رئيس الحكومة تمام سلام أعلن إثر جلسة استثنائية لمجلس الوزراء، أنه طلب من فرنسا “تسريع تسليم الأسلحة التي سبق الاتفاق عليها في إطار صفقة التسلح الممولة من المملكة العربية السعودية”. وأعلنت باريس في بيان لها إدانتها الهجمات ضد الجيش، مجددة “مساندتها للبنان، لسلطاته ومؤسساته، بدءا بالجيش الذي يكافح بشجاعة للحفاظ على السلام في لبنان وعلى استقراره ووحدة ترابه”.

ويشن المسلحون منذ السبت الماضي هجوما على مواقع للجيش في محيط عرسال، إثر قيام الأخير بتوقيف جهادي سوري اسمه “عماد أحمد جمعة”. وقال الجيش إن جمعة اعترف بانتمائه إلى “جبهة النصرة”، ذراع القاعدة في سوريا. بيد أن حسابات جهادية على مواقع التواصل، تداولت شريطا مصورا لجمعة، يعلن فيه حديثا مبايعته زعيم تنظيم “الدولة الإسلامية” أبوبكر البغدادي.

وقال القائد جون قهوجي إن الوضع الأمني على أطراف عرسال وفي محيطها “خطير”، مؤكدا أن “معركة جرود عرسال التي يخوضها الجيش ليست إلا حلقة في أشكال مواجهة الإرهاب بكافة أشكاله وأينما كان”.

وأكد أن “معركة الجيش ضد الإرهابيين والتكفيريين مستمرة”، مضيفا أن “الجيش مصرّ على استعادة العسكريين المفقودين”. واستقدم الجيش تعزيزات كبيرة إلى محيط عرسال، وقام بقصف التلال المحيطة بها، تزامنا مع اشتباكات بالرشاشات الثقيلة. وأعلن الجيش أنه أنهى “تعزيز المواقع العسكرية الأمامية، وتأمين ربطها ببعضها البعض ورفدها بالإمدادات اللازمة”، مؤكدا مواصلة “مطاردة المجموعات المسلحة”.

12