جدل لغوي

علاقة المغاربة بلهجتهم، كما هو الحال بالنسبة لبقية الدول العربية، لم تكن موضوع خصومة. بل إن الدارجة شكلت دائما شكلا من أشكال الإبداع، بمختلف تجلياته.
السبت 2018/09/15
يظل التعدد نقطة قوة

أعاد إدراج عبارات تنتمي إلى الدارجة المغربية في مقرر دراسي صادر خلال السنة الحالية النقاشَ الخاص بالمسألة اللغوية بالمغرب إلى الواجهة من جديد، وربما بشكل أكثر حدة. إذ تقاسم هذه المرة جبهةَ معركة الجدل طرفان. استثمرَ الأول مواقعَ التواصل الاجتماعي بشكل كثيف، مع إضافة بعض التوابل التي تدخل في إطار تحريف المعطيات وتهويلها أحيانا. أما الطرف الثاني فيتجلى في بعض الذين ينادون منذ سنوات باستعمال الدارجة، وليس فقط بعض مفرداتها، كبديل للغة العربية على مستوى التعليم.

أما الوصفة التي يقترحها هذا الطرف فتقوم على تصوير كون استعمال الدارجة يشكل المدخل الأساس، وربما الوحيد، لإصلاح منظومة التعليم، ولتيسير الولوج إلى مجتمع المعرفة والمعلومات.

ويبدو أن فهم دواعي هذا الطرف يكمن في العودة إلى أصحاب هذا الخطاب أنفسهم. إذ أن ما يجمعهم هو انتماؤهم إلى عوالم المال والإشهار، وليس إلى الأكاديميات ومراكز البحث العلمي اللغوي، باعتبارها المؤسسات المؤهلة في التفكير في المسألة اللغوية وفي مآلات قضاياها.

ولذلك سيضطر مفكر من حجم عبدالله العروي، وهو المعروف عنه إحجامه عن الظهور الإعلامي، إلى قبول التناظر ماشرة على القناة الثانية المغربية مع نورالدين عيوش، رجل الإشهار وعراب الطرف المذكور.

وإذا كان عبدالله العروي لم يمانع استخدام الدارجة في المرحلة الأولى من التعليم، من باب تسهيل التواصل، غير أنه كان حاسما في رفض تدريس قواعد الدارجة مكان اللغة العربية الفصحى، رافضا في نفس الوقت خلق لغة “مغربية”، بحكم كون ذلك سيكون مكلفا على مستوى العلاقة مع الموروث الثقافي.

والحقيقة أن علاقة المغاربة بلهجتهم، كما هو الحال بالنسبة لبقية الدول العربية، لم تكن موضوع خصومة. بل إن الدارجة شكلت دائما شكلا من أشكال الإبداع، بمختلف تجلياته. ولعل من علامات ذلك العدد الكبير لشعراء القصيدة الزجلية، وقد كان من بينهم عدد من السلاطين كمحمد بن عبدالله والمولى عبدالحفيظ. وذلك بالإضافة إلى عدد من المؤلفين الذين كتبوا القصيدة الزجلية بنفس العشق الذي أنتجوا به مؤلفات خالدة باللغة العربية. ومنهم على سبيل المثال، إدريس الوزير بن محمد العمراوي، الذي اشتهر برحلته “تحفة الملك العزيز بمملكة باريس”.

وبذلك، يعيش المغاربة السفر بين العربية واللهجات واللغات الأخرى بشكل يحقق باستمرار الثراء على مستوى ثقافتهم. ويبدو أن المغرب هو البلد العربي الوحيد الذي استطاع كتابه أن يدخلوا الكتابة عبر أكبر عدد من اللغات. إذ يواصل الكتاب المغاربة تألقهم داخل العديد من العواصم اللغوية والثقافية الأجنبية، سواء تعلق الأمر بباريس أو مدريد أو روما أو أمستردام. وفي جميع الأحوال، يظل التعدد، الذي  يطبع المشهد اللغوي بالمغرب، نقطة قوة. أما الأمر الأهم فيكمن في تدبير هذا التعدد، الذي يجب أن يظل بعيدا عن الدخلاء.

15