جدل: "ما بعد الإسلام السياسي" حكر على إيران

الاثنين 2014/01/06
حالة "ما بعد الإسلام السياسي" ليست مجرد شرط بل هي أيضا مشروع

● آصف بيات


بروز "ما بعد الإسلام السياسي"


عام 1996 كتبتُ مقالا بعنوان «قدوم مجتمع ما بعد الإسلام السياسي»، قمت فيه بمناقشة الاتجاهات الاجتماعية المدهشة، ووجهات النظر السياسية/الدينية الملفتة للنظر الذي بدأت تشهدها «إيران ما بعد خميني»، وهو الاتجاه الذي تجلى في دعم وبروز «حركة الإصلاح» في أواخر التسعينات.

وتناول مقالي الاتجاهات المجتمعية لأنه لم يكن هناك أي شيء على مستوى الدولة يمكن اعتباره «ما بعد الإسلام السياسي». في الواقع فإن حالة «ما بعد الإسلام السياسي» لا تنطبق إلا على الحقائق في جمهورية إيران الإسلامية، وليس على مجتمعات أخرى.

ومع هذا فإن الروح الأساسية لهذا المصطلح ترجع إلى التحول في تيار «الإسلام السياسي» ككل (في الأفكار والتوجهات والممارسات) من الداخل والخارج.

حالة «ما بعد الإسلام السياسي» ليست مجرد شرط، بل هي أيضا مشروع: أي محاولة واعية لوضع تصور واستراتيجية لمنطق وطرائق السمو على «الإسلام السياسي» في المجالات الاجتماعية والسياسية، والثقافية. ومع ذلك، فهي حالة ليست معادية للإسلام، أو غير إسلامية، ولا حتى علمانية.

ولكنها تمثل مسعى لدمج التدين بالحقوق، والإيمان بالحرية، والإسلام بالتحرر. إنها محاولة لقلب مبادئ «الإسلام السياسي» الأساسية رأسا على عقب وذلك عبر التركيز على الحقوق بدلا من الواجبات، والتعددية بدلا من السلطة الفردية، والتاريخية بدلا من النصوص الثابتة، والمستقبل بدلا من الماضي.


● عصام القيسي


الخلافة والإمامة والوهم


يعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام دين ودولة، ويقصدون بذلك أن الدولة جزء من الدين (الإسلام). ومن مقتضيات ذلك أن يصبح السعي إلى إقامة الدولة، والعمل في مجال السياسة العامة، من الفروض الكفائية لجماعة المسلمين (الأمة).

والدولة عند الإخوان مفهوم غير محدد بصورة حاسمة. لكنه إذا ورد في أدبياتهم الدينية فإن الغالب أن يقصد به حكومة «الخلافة» الإسلامية. أما إذا ورد في أحاديثهم السياسية فإن الغالب أن يقصد به الدولة القُطرية بمفهومها الحديث.

وإذا كنا بصدد قراءة نقدية لبعض جوانب الفكر عند جماعة الإخوان المسلمين، فإنه من المهم التأكيد على أن كل قراءة لهذه الجماعة خارج السياق التاريخي لظهورها، ستكون قراءة قاصرة، ذلك أن الجماعة قد نشأت استجابة لظروف سياسية بحتة، أبرزها حادث سقوط الخلافة العثمانية في العام 1924، والتحدي الاستعماري لمصر ولأجزاء من الوطن العربي آنذاك.

وما من شك في أن شعار «الإسلام دين ودولة» الذي رفعه الإخوان كان ردا على دعوى علي عبد الرازق، الذي قال بأن الحكومة أو الخلافة ليست من خطط الدين، وأن النبي محمد (ص) لم يؤسس دولة، ولا كان ملكا من الملوك، وإنما كان نبيا رسولاً، مكلفا بإبلاغ الرسالة السماوية، ودعوة الناس إلى الهدى، ولم يكلف بإقامة دولة وحكومة. وقد تصدى للرد على هذه المقولة كبار مشائخ الدين آنذاك، وفي مقدمتهم محمد رشيد رضا، وحسن البنا مؤسس الجماعة.


● هيثم العوني


وهم دولة الخلافة


طرح موضوع الخلافة يجعلنا نتساءل عن الأسلوب الذي سيتم فيه اختيار الخليفة، هل هو أسلوب الاقتراع؟ حيث أنهم يروجون لدعوتهم بأنها لا تناقض الديمقراطية، خاصة وأن الأمر سيكون شورى بينهم وهو ما أقره القرآن؟ وهنا تتقاذف الأسئلة التي لابد أن نجد لها جوابا، هل هذه الشورى ستشمل جميع أبناء الشعب على اختلاف عقائده ودياناته وأفكاره؟ أم أن الشورى ستكون حكرا على المسلمين؟ وإن كانت حكرا على المسلمين فقط، فأي المسلمين سيكون له حق المشاركة في الشورى؟ هل يحق للشيعة أو الإسماعيلية أو العلوية أو الدروز المشاركة؟ وهل سيحق للمرأة المشاركة؟ وإن شاركت هل سيكون صوتها كاملا ومساويا للرجل؟ أم أن صوت امرأتين سيكون مساويا لرجل واحد بناء على أحكام القرآن في شهادة المرأة؟ وأي سن يحق فيه للمرء أن يشارك في عملية الشورى؟


● عماد صولة


المقدس الديني في سياق الحداثة


من البين أنه يتعذر النظر إلى الحداثة والمقدس الديني كلّ على حدة، إذ حتى وإن افترضنا وجود تعارض جوهري بين مبادئهما، فإنهما قد خضعا إلى مسارات متقاطعة ولدت تفاعلات أثرت تدريجيا في محتوياتهما، وبالتالي فهما ليسا نموذجين كليانيين ثابتين، بقدر ما يمثلان مفهومين ديناميين يتنزلان في قلب حراك المجتمع.

والصورة الكلاسيكية التي يبدو فيها امتداد الحداثة كفيلا بتحجيم المقدس الديني وإضعافه، آخذة في الأفول بسبب كثافة المؤشرات الدالة على الحضور الديني القويّ. ولكن ذلك لا يعني التدحرج إلى العصور الذهبية للأديان، لأن ما نعانيه من ظواهر حركات وجماعات تصنف بأنها دينية، تمثل في الحقيقة أنماطا خاصة مفتتة ومجتثة من أنساقها الدينية الأصلية، ترعاها مرجعية فردانية قائمة على الاستثمار النفعي.


● سعد سلوم


نحو حماية الحرية الدينية


يشكل الحق في حماية الهوية الدينية عنصرا أساسيا في أي نظام شامل لحماية التعددية الدينية في العالم العربي كما في عديد دول العالم. وقد جاءت المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لتحمي حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات في التمتع بهويتهم الدينية، فنصت على أن:

«لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم».

تعد هذه المادة التعبير الوحيد للحق في الهوية في معاهدات حقوق الإنسان. بخلاف ذلك، يسبب الانتقاص من الهوية الدينية للأفراد والجماعات نزعات صدامية بين الدولة والأقليات الدينية، ولاشك أن ما تشهده عديد الدول العربية من صدامات كفيل بإطلاق جرس إنذار حول مستقبل التعايش بين الجماعات الدينية في هذه الدول.

13