جدل نادر في السعودية يكشف تنافسا على المشاركة بعملية التحديث

الجدل الذي دار في المملكة العربية السعودية حول مشروع إنشاء دار للأوبرا يمثل مظهرا للحركية التي أضفتها حملة التحديث الشامل التي دخلتها المملكة، على عمل أجهزة وإدارات الدولة ورغبة القائمين عليها في المشاركة بإنجاز مخطّطات ومشاريع ضخمة بصدد تغيير وجه البلد وصناعة مستقبل مختلف لأجياله الصاعدة.
السبت 2018/02/24
يتنافس الخطيب والعواد.. فيكسب شباب المملكة

الرياض - حمل تمسّك وزير الثقافة السعودي عواد العواد الصارم باختصاص وزارته بمعالجة كل ما يتّصل بموضوع إنشاء دار للأوبرا، ورفضه تدخّل الهيئة العامّة للترفيه في الموضوع، رسالة قويّة بشأن وجوب احترام عمل مؤسسات الدولة السعودية والفصل بين اختصاصاتها، كمظهر لترسيخ منحى المأسسة الذي تتجه إليه الدولة بثبات في إطار حزمة أوسع وأشمل من عمليات التغيير والتحديث التي بدأت تطال مختلف مظاهر الحياة في المملكة مزيحة عنها الطابع المحافظ الذي تلبّس بصورتها طيلة العشريات الماضية ومنذ تأسيسها في ثلاثينات القرن الماضي.

ورأى متابعون للشأن السعودي في مثل هذا الجدل غير المعهود بين مسؤوليْن كبيرين في الدولة السعودية، مظهرا على الانفتاح وتوسّع هامش إبداء الرأي ومناقشة الشأن العام.

كما رأوا فيه اتجاها نحو إسقاط الأسوار العالية من التكتّم التي كانت تحيط بعمل الحكومة وتضع حاجزا يحول دون إطلاع المواطنين على ما يجري داخل كواليس الإدارة.

واعتبره آخرون مظهرا على حماس المسؤولين وتنافسهم على المشاركة في إنجاز عملية التغيير الشامل الذي يقوده ولي العهد الأمير محمّد بن سلمان، ويرتقي حسب توصيف المراقبين إلى مستوى صياغة مستقبل مختلف للمملكة يطمح الجميع إلى وضع البصمة عليه.

وكان قد أُعلن، الخميس في السعودية، عن مشروع إنشاء دار للأوبرا. لكن خطأ إجرائيا حدث في إعلان المشروع على لسان رئيس الهيئة العامة للترفيه أحمد بن عقيل الخطيب الذي ذكره كجزء من استثمار ضخم في قطاع الترفيه بنحو 64 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة.

ولم يترّدد وزير الثقافة عواد العواد في الردّ على الخطيب بالقول “إنّ الأمور الموكولة للهيئة العامة للثقافة لا يحق لأي جهة التحدث بشأنها، وأن ما تم تداوله بشأن دار الأوبرا وبنائها والتصاريح الخاصة بها هو تدخل في عمل الهيئة العامة للثقافة من قبل معالي رئيس الهيئة العامة للترفيه، وأن الجهة المسؤولة عن ذلك هي الهيئة العامة للثقافة”.

وأهاب الوزير في منشور عبر وكالة الأنباء السعودية الرسمية “واس”، “بجميع وسائل الإعلام بضرورة استقاء الأخبار من مصادرها النظامية المعتمدة وفق الأنظمة والتعليمات”.

مشاريع ومخططات ضخمة تحفز كبار المسؤولين على التنافس لتسجيل أسمائهم ضمن المشاركين في إنجازها

وتُقبل السعودية على أكبر عملية تغيير في تاريخها ضمن رؤية 2030 التي كان أعلن عنها ولي العهد وزير الدفاع الشاب الأمير محمّد بن سلمان.

ويراد للتغيير المنشود أن يمس مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وحتى الدينية عبر ترسيخ طابع الاعتدال وتفكيك مراكز ممانعة التجديد والتمسّك بتفسير حرفي للشريعة أصبح منفصلا عن الواقع.

ويُنظر إلى الأمير محمّد، من قبل  المهتمين بالشأن السعودي، من مراقبين ومحللّين إقليميين ودوليين، كرمز لعقلية جديدة في السعودية ذات منحى مستقبلي يجسّد رغبة عامة في التغيير والحدّ من الطابع المحافظ السائد بالبلاد والذي لم يعد مناسبا لمجتمع غالبيته من الشباب المتأثرين بتيارات العولمة أكثر من تأثرهم برجال الدين.

وينظر إلى الثقافة والترفيه والسياحة وفق الرؤية المذكورة، من أبعادها الفكرية والاجتماعية، وأيضا الاقتصادية كمجالات للاستثمار والمساهمة في إثراء مصادر الدخل والحدّ من الارتهان لعائدات النفط.

وأعلنت السعودية الخميس أنها ستستثمر 240 مليار ريال في قطاع الترفيه في السنوات العشر المقبلة، على أن يتم جمع هذه الأموال من الحكومة والقطاع الخاص.

وشهدت السعودية في الأشهر الأخيرة سلسلة من الأنشطة الموسيقية والترفيهية غير المسبوقة، وبينها إقامة حفلات لفرق ومغنين غربيين.

وتزامنت هذه الأنشطة مع خطوات تعبر عن انفتاح اجتماعي متسارع بينها إعلان السماح للمرأة بقيادة السيارة بدءا من يونيو المقبل، وإعادة فتح دور السينما.

والمملكة التي تعد 32.6 مليون نسمة وظلت مغلقة فترة طويلة ستبدأ بمنح تأشيرات سياحية في مسعى إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنويا بحلول سنة 2030 أي قرابة ضعفي العدد الحالي.

وقال الخطيب إن جدول الفعاليات الترفيهية للعام 2018 وحده يشمل نحو خمسة آلاف فعالية. وعُرضت بالتوازي مع تصريحاته على شاشة كبيرة نماذج عن التظاهرات التي تخطط المملكة لاستضافتها وأيضا مقتطفات من حفلات لفنانين عالميين بينهم الكندي برايز أدامز وفرقة مارون 5 الأميركية.

ويشير متابعون للشأن السعودي إلى أن تنويع التظاهرات وفتح البلاد أمام الحفلات الموسيقية ومختلف العروض الفنية وتعويد السعوديين على حياة جديدة تجمع بين العمل والدين والترفيه هدفه صياغة ثقافة جديدة تشجّع على الإقبال على الحياة خلافا للصورة التي صنعها المحافظون طيلة عقود سابقة.

وتعهّد ولي العهد خلال مشاركته في جلسة حوارية في منتدى “مبادرة مستقبل الاستثمار”، الذي استضافته السعودية في أكتوبر الماضي بمملكة خالية من الأفكار المتشددة، قائلا “نحن فقط نعود إلى ما كنّا عليه، الإسلام الوسطي المعتدل والمنفتح على العالم وعلى جميع الأديان وعلى جميع التقاليد والشعوب”، مضيفا “نريد أن نعيش حياة طبيعية، حياة تترجم ديننا السمح وعاداتنا وتقاليدنا الطيبة”.

3