جدل يرافق ظاهرة آبي أحمد.. شعبوي أم عراب الديمقراطية الإثيوبية

إثيوبيا تحقق قفزات سياسية واقتصادية في فترة قياسية في وقت تحولت فيه البلاد إلى رقم صعب جديد في توازنات القرن الأفريقي.
الجمعة 2018/12/07
آبي صنع ربيع إثيوبيا

يعتبر تغيير النظام الحاكم في إثيوبيا ربما أهم حدث عرفته منطقة القرن الأفريقي خلال السنوات الأخيرة، حيث شكّلت المتغيرات السياسية في هذا البلد مفارقة سياسية يصفها المتابعون بأنها بمثابة الإعجاز لعدة أسباب أدت وجوبا إلى  تبدّل الحديث عن إثيوبيا من بلد يعاني أزمات ومجاعات إلى بلد طامح للعب أدوار عدة لا فقط داخليا بل إقليميا. ومنذ مجيء آبي أحمد وهو أحد أصغر رؤساء الحكومات في أفريقيا أصبحت بلاده محور حديث المنطقة والعالم لما تشهده من بوادر انفراج اقتصادي وسياسي قد يجعلها رقما صعب في قادم السنوات.

أديس أبابا - منذ شهر أبريل 2018، حقق تسلّم رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد خطوات عملاقة وبنسق سريع نحو القيام بإصلاح سياسي شامل واقتصاد إثيوبي واعد، ليغيّر الرجل تلك الصورة النمطية عن بلده الذي ظل طيلة عقود يدور في فلك الصراعات والخلافات مع دول الجوار فكانت أولى خطوات المصالحة مع إريتريا ليجنب إثيوبيا نزاعات كانت ستزيد في تعميق أزمات الإثيوبيين.

ومن أولى الخطوات التي راهن عليها آبي أحمد، الذي يوصف في بلاده بأنه “نبي الديمقراطية”، توجيهه رسالة واضحة المعالم هدفها إعادة بناء البلد بمقاييس ديمقراطية، عبر إطلاق سراح الآلاف من السجناء السياسيين وإيقاف الرقابة عن الإعلام والصحافة.

ودعّم آبي مكانته محليا وإقليميا ودوليا خاصة بعدما كان شريكا فاعلا في إنهاء حالة الحرب التي استمرت 20 عاماً مع إريتريا.وتطرح ظاهرة آبي أحمد أسئلة ما زالت لا تجد ردودا دقيقة لدى العاملين في حقل الدراسات السياسية عامة وتلك المتعلقة بالقرن الأفريقي خاصة.

تمكن الرجل من الانتقال ببلاده إلى مرحلة جديدة أعادتها إلى الخارطة الدولية الكبرى. ومع ذلك لم يكن مسعى آبي أحمد يسيرا حين خاض حملة لتزعم الحزب الحاكم في إثيوبيا، ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية.

وفيما تظهر محاولة لتفسير الرجل الظاهرة وفك شيفرة ظهوره، تميل بعض الآراء إلى اتهامه بالشعبوية على نحو يطرح أسئلة حول طبيعة الجهات المحلية والدولية التي يقلقها هذا التغيير الكبير الذي طرأ على إثيوبيا وعلى دول المنطقة المجاورة بأكملها.

ما قاد آبي أحمد إلى منصبه الجديد يشبه “الثورة” في إثيوبيا، حيث دفعت الاحتجاجات الواسعة التي انتشرت في البلاد في فبراير الماضي النظام السياسي نفسه إلى حمل الرجل نحو قمة السلطة بعد رحيل حكومة هايلي ديسالين. ويمثل آبي أحمد تحوّلا قد يكون إصلاحياً لا انقلابيا في إثيوبيا.

وينتمي الرجل إلى قبيلة الأورومو المسلمة التي همشت سياسيّا في إثيوبيا رغم أن تعدادها يصل إلى 40 بالمئة من عدد السكان، ولطالما أصدرت المنظمات الدولية التقرير تلو التقرير عن الاضطهاد الذي تعاني منه. ومع ذلك يتصرف رئيس الوزراء الجديد، المنتمي إلى هذه القبيلة بصفته زعيما لكل الإثيوبيين معتبراً أن وقف التوتر مع العالم وصفةٌ لوقف التوتر الداخلي الذي عبرت عنه الاحتجاجات، ووصفةٌ لنقل النظام من طور ثوري متقادم إلى آخر يتّسق مع شروط الراهن ومفرداته.

Thumbnail

برز اسم الرجل حين كانت منطقته أورميا، وهي الأوسع والأكثر كثافة سكانيا في البلاد، تلتهب على وقع تحركات شعبية عارمة معترضة على الأداء الاقتصادي وتدني مستوياته.

اضطر رئيس الوزراء السابق هايلي ديسالين إلى الاستقالة في فبراير الماضي، فيما أعلنت الحكومة الفيدرالية حالة الطوارئ في البلاد.

وظهر السياسي الشاب حين عين زعيما لفرع الحرب في أورميا. حظي بشعبية واسعة من قبل المتظاهرين، ولطالما كان ناطقا رسميا باسمهم، يطالب بما يطالبون، لا سيما لجهة الإفراج عن المعتقلين السياسيين في البلاد.

غير أن حساسيات إثنية كانت تبرز كعامل كابح لصعود الرجل. فداخل حزبه لم تكن إثنية التيغري داخل الائتلاف الحاكم، والتي تنتمي إلى “جبهة تحرير شعب تيغري” مرتاحة إلى هذا السياسي الصاعد، فوقفت ضده في الخفاء كما في العلن، وعملت على عرقلة ترشحه لزعامة الحزب إلا أنها فشلت.

منذ ذلك الوقت تبدل مزاج الحكم في إثيوبيا وباتت دفة قيادة البلاد في يده. انتخب آبي أحمد زعيما للائتلاف على الرغم من المعارضة الداخلية، وبناء عليه أصبح رئيسا للوزراء في إثيوبيا، متكئا على شعبية واسعة داخل البلاد.

ظاهرة آبي أحمد تطرح أسئلة ما زالت لا تجد ردودا دقيقة لدى العاملين في حقل الدراسات المتعلقة بالقرن الأفريقي

انسحب انتصاره في البيت الإثيوبي على انتصارات يحققها خارج البلاد على نحو لفت الأنظار على المستوى الدولي. تمكن آبي أحمد بسرعة كبرى من تحرير البلاد من كوابحها السياسية. وعد بأن يتم عام 2020 تنظيم أول انتخابات حرة من خلال اقتراع كامل النزاهة، فيما تتحرك حكومته بشكل حيوي لتحرير الاقتصاد وتخصيبه بمفاعيل النجاح.

وبعيدا عن الفرقعة الداخلية، يحظى آبي بإجماع دولي مكّنه من نسج علاقات مع شخصيات متناقضة الطباع والأجندات مثل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي والرئيس الأميركي دونالد ترامب.

يتعامل آبي أحمد مع الدوائر الإقليمية بصفتها امتدادا لنَفَسهِ الإصلاحي داخل إثيوبيا، حيث أقفل ملف العداء والحرب مع إريتريا ونزع فتائل التوتر مع مصر. بادر إلى زيارة القاهرة لمباشرة سياق يحوّل سد النهضة المثير للجدل إلى مناسبة لإعادة ترميم العلاقات مع القاهرة .

وغيّر آبي أحمد شكل العلاقة بين الحكم والشعب. ليبدو الرجل كقائد لكل الإثيوبيين مستخدماً كاريزما عالية المستوى تحلى بها وجعلها مطمئنة للجميع. وعلى الرغم من أنه يستند على حزب عريق في حكم البلاد، إلا أنه يتوجه إلى إثيوبيا ومحاورها مباشرة متجاوزا التركيبة التقليدية للحزب وشخوصه.

الذين ينتقدون الرجل يؤاخذونه على احتكاره السلطات وعملية اتخاذ القرار دون اللجوء إلى أي مشاورات ومداولات مسبقة. والبعض يعتبر أن آبي أحمد ينتعش داخل التجمعات الشعبية الكبرى لينهل منها مصداقية وشعبية وشرعية، كذلك التجمع الشعبي الهائل في العاصمة أديس أبابا في يونيو الماضي، والذي قام التلفزيون التابع للدولة بتغطيته بكثافة.

Thumbnail

ما زالت عملية تقييم آبي أحمد من قبل متخصصين في الشأن السياسي تخضع لارتباك عاجز عن إعطاء صورة جازمة حول طباع الرجل وخصاله. بعض المراقبين يصنفون الزعيم الإثيوبي داخل سياق الشعبوية الليبرالية التي يتّسم بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

غير أن الأمر يسلط الضوء على مفهوم الشعبوية بالمعنى المتعارف عليه وتناقضه الكامل مع ذلك المفهوم في إثيوبيا. ويعتبر المراقبون أن هناك حالات للشعبوية برز داخلها ترامب في الولايات المتحدة، وهوغو تشافيز في فنزويلا ومايكل ساتا في زامبيا والأمثلة كثيرة، لكن لا يبدو أن آبي أحمد يندرج داخل إطار نفس هذه الحالات.

ويجزم الخبراء بأن الرجل لا يتحدث كما يتحدث الشعبويون ولا يتصرف كما يتصرفون. لم يستخدم آبي أحمد الشارع للتحريض على خصومه في الداخل أو في الخارج. ويلفت بعض المراقبين إلى أن أشهر الشعبويين في العالم، ومنهم دونالد ترامب، يستخدمون وسائط التواصل الاجتماعي من أجل بث شعبويتهم. إلا أن آبي أحمد ليس كذلك، وهو لا يملك حتى حسابا في موقع تويتر.

ويلفت المراقبون إلى أن الكلمة-الشعار التي قد تصلح وسما على منابر التواصل الاجتماعي هي كلمة باللغة المحلية تعني الوحدة والمصالحة.

يلخص هذا الوسم المفترض الورشة التي عمل عليها آبي أحمد لتوحيد معسكر المعارضة المتشظي، والسعي إلى إنهاء الانقسام الذي كاد يصبح بنيويا داخل الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية.

بالمقابل تدافع منابر إثيوبية عن ظاهرة آبي أحمد؛ إذ تعتبره الأقل شعبوية بين الزعماء الذين حكموا البلاد منذ عقود. تنقل مجلة الفورين بوليسي عن ماكونين آيلانو، وهو متخصص في القانون في جامعة هارفرد، أن الزعيم الجديد نقيض كامل لأسلافه، ميليس زيناوي الذي قاد البلاد من عام 1991 إلى عام 2012، ومنغيستو هيلا ميريام الذي حكم البلاد في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. ويسجل لآبي أحمد أنه أخرج إثيوبيا من عاديات انقسامها الاثني باتجاه ما هو وطني جامع.

قد يبدو اهتمام عواصم العالم برجل إثيوبيا القوي منطقيا. إلا أن محاولة إلصاق الشعبوية به قد يكون وراءها استسهال الحكم على نموذج من خلال منظار يفسر صعود الشعبوية في العالم.

7