جدوى التكتلات السياسية في مصر

الاثنين 2014/06/16

المتابع لما يجري على الساحة الحزبية في مصر، يجد أن هناك سباقا محموما لتكوين تكتلات سياسية، تقوده شخصيات معروفة، إما بحثا عن دور خلال المرحلة المقبلة، أو التظاهر بالاستجابة لدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي طالب فيها الأحزاب بالاندماج والتكتل في جبهات قوية، بدلا من التشرذم الذي تعيشه، وفي الحالتين تبدو المسألة فوقية، ولا تستند إلى واقع متماسك، بل تتم عملية الإعداد لها وسط مطبات وعرة، كما أثبتت التجارب التاريخية أن فكرة التحالفات غير مجدية، وتنتهي بمجرد تحقيق أصحابها أغراضهم منها، وحظوظها في المعارضة أكبر من السعي للوصول إلى الحكم، فهل سيكون لها هذه المرة نصيب أوفر؟

الواقع أن الحياة السياسية في مصر تزخر بعشرات الأحزاب، لكن حتى الآن لا يوجد حزب يمكن القول إنه يملك شعبية كبيرة، تضمن له الفوز بتفوق في الانتخابات البرلمانية المقبلة، والحصول على عدد كبير من المقاعد، لذلك تعد التكتلات في الظاهر حاجة ضرورية، لضمان حصول أحدها على حصة مريحة من مقاعد تسهل له تشكيل الحكومة، التي أسندها الدستور الجديد لمن يحصل على أكبر نسبة داخل البرلمان، وتحاشي المعارك السياسية التي تنشب جرّاء عدم وجود قوة سياسية رئيسية، حيث تكون غالبا هناك صعوبة في التفاهمات بين القوى الصغيرة، وتصبح الحكومة مهددة بالانهيار، إذا فقدت أغلبيتها البرلمانية.

لذلك يسعى عمرو موسى رئيس لجنة الخمسين التي أعدت الدستور الجديد، والجنرال مراد موافي رئيس جهاز المخابرات الأسبق إلى تكوين تحالف سياسي، ينضوي تحته ما يسمى بالأحزاب الداعمة للرئيس السيسي، لتكون له ظهيرا سياسيا، يحقق الانسجام بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، حيث يسعى هذا التحالف إلى الحصول على الأغلبية البرلمانية، وبدأت تحركاته العملية تحظى بدعم ملحوظ من قوى حزبية مختلفة.

في المقابل، يتحرك المرشح الخاسر في الانتخابات الرئاسية حمدين صباحي لتكوين تحالف من قوى يسارية وناصرية، يخوض به الانتخابات البرلمانية، أملا في تعويض خسارته في “الرئاسية”، وإذا لم تتمكن جبهته الجديدة من تشكيل الحكومة، بعد الحصول على الأغلبية، سوف يمثل تياره عمودا محوريا في المعارضة المصرية، كما يحاول التيار السلفي تجميع القوى الإسلامية القريبة منه تحت خيمته، للأهداف ذاتها تقريبا، وبين التحالفات الثلاثة (جبهة السيسي، وتيار صباحي، وخيمة السلفيين) ثمة عناصر تائهة تحاول البحث لها عن مكان مناسب، أبرزها فلول الحزب الوطني (المنحل) وفلول الإخوان، المرفوضين من التحالفات السابقة، وكل منهما يسعى بطرق تحايلية لإيجاد موطئ قدم بالقرب من التكتلات الفائتة.

الواضح أن نتائج الانتخابات البرلمانية سوف ترسم الكثير من معالم المشهد السياسي، ورغم صعوبة توقع أي من الجبهات الثلاث يمكن أن يحصل على أغلبية مريحة، غير أن شبح التشرذم يظل مهيمنا لفترة طويلة، لأن أيًّا من هذه التكتلات سيكون معرضا للانقسام، حتى لو حصد أغلبية مقاعد البرلمان، فأحد أهم أسباب استمرار التحالفات، أن تكون بينها روابط سياسية متينة، لكن ما نراه يجري أمام أعيننا، هو بمثابة تفاهمات، لها علاقة بالأشخاص أكثر من الأفكار، والمصالح الذاتية الضيقة قبل المصالح الوطنية الواسعة، وحدوث خلل في إحداها يعرضها للانهيار.

كما أن التحالفات التي قامت على أسس وطنية لا تملك نفسا سياسيا طويلا، فمجرد تحقيق هدفها القريب الذي نشأت من أجله، تختفي أو تتلاشى من على المسرح السياسي، ولنا عبرة في حركة “كفاية” التي ظهرت عام 2005 وتشكلت من عناصر وقوى وطنية متباينة، وحركت جزءا كبيرا من المياه الراكدة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، لكنها لم تصمد وفشلت في استثمار الزخم الذي أحدثته، بسبب ظهور فيروس الخلافات السياسية، كما أن الجبهة الوطنية للتغيير التي تصدت لنظام مبارك في سنواته الأخيرة، وتشكلت من قوى وشخصيات حزبية مختلفة، دفعتها أيضا التراشقات البينية لأن تتوارى قبل أن تجبر مبارك على الاستجابة لمطالبها السياسية، وأخيرا جبهة الإنقاذ الوطني التي تشرذمت بعد أن ساهمت بدور فعال في إسقاط نظام الإخوان.

الحصيلة النهائية غير مرضية، والأمراض التي ضربت التكتلات في السابق لم يتم علاجها حتى الآن، وبالتالي فالتحالفات الجديدة المزمع تكوينها يمكن أن تواجه المصير نفسه، خاصة أن البيئة الحزبية لا تزال تعتمد على نخبة سياسية تكاد تكون منفصلة عن الواقع على الأرض، وتفتقر إلى الجماهيرية المطلوبة، والتعددية في مصر لم تنضج بصورة كافية، تجعلها تستوعب أدبيات التحالفات السياسية المعروفة في العالم، كما أن قانون الانتخابات البرلمانية وقع في تناقض فاضح، حيث خصص 80 بالمئة من المقاعد للنظام الفردي، الأمر الذي يتعارض مع أهم أساسيات التكتلات الحزبية، وحتى نسبة الـ20 بالمئة المخصصة للقوائم الحزبية، هدفها استيعاب المرأة والأقباط والمعاقين والشباب لضمان تمثيلهم وفقا للدستور.

إذن نحن أمام برلمان قادم من الصعوبة أن يحظى فيه أي تكتل سياسي بالأغلبية، ولن يمنع القانون تسرب عناصر غير مرغوبة سياسيا، ما يعنى أن الحكومة المقبلة (بعد انتخاب البرلمان) سوف تتشكل من جملة تحالفات، بشكل يضع مصيرها في أيدى أحزاب صغيرة، ورئيسها سيصبح معرضا للابتزاز، وهو ما يضاعف من حجم التحديات أمام رئيس الجمهورية، الذي يحتاج إلى ظهير سياسي قوى يكمل ظهيره الشعبي الكبير الذي حصل عليه بموجب الملايين التي صوتت له في الانتخابات الرئاسية أخيرا.


كاتب مصري

9