جديد العراقي جواد الحطاب بروفايل للريح ورسم جانبي للمطر

الأربعاء 2014/09/24
جواد الحطاب: مَن يزن الصرخة بميزان الألم

بالدخول إلى مجموعة “بروفايل للريح.. رسم جانبي للمطر”، الصادرة عن “دار المسار”، ببيروت، نكتشف سعي الشاعر العراقي جواد الحطّاب إلى جعل نصّه الشعري أو مجموعته برمتها خارج إطار المألوف أو نأيا عن السياق التقليدي للقصيدة. أي أنه يلتزم بقوة لما أشارت إليه سوزان برنارد لقصيدة النثر بوصفها شكلا شعريا فوضويا وكائنا فنيا.

في خاتمة كتابها “قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا” تشير سوزان برنارد إلى أن العناصر الحقيقية لقصيدة النثر هي الإيجاز والكثافة والمجانية التي لا يمكن التخلي عنها إذا توجهنا لتوصيفها. وحول الحيوية الخاصة بها تقول: “تنشأ من اتحاد قوتين متناقضتين: قوة فوضوية مدمرة وقوة تنظيمية فنية".

والنظر إلى هاتين القوتين وتفكيك بناها للوصول إلى تناقضها من جهة وتنظيمها من جهة أخرى يولّد حالة من ارتباك آني سرعان ما يتحول إلى تذوق فيه طعم التأثير على المخيلة وصولا إلى إنتاج لذّة مربكة لم تعهدها الذائقة، ويشيع في أجواء الروح شذا فاغما ينقل الذائقة إلى رياض شعري تحتاج فيه إلى وقت طويل بغية التآلف معه.

وبين طعم التأثير ووزن التآلف تكون القصيدة قد حفرت وجودها على قرطاس الروح، وأطلقت فراشات الجذل مضمخة بعطر اللغة محتفظة بإيجاز وتكثيف، مشفوعة بمجانية لا تقرّ بقافية ولا تخضع لشكل.


محاكاة الوجود


هذا الكائن الفني التدويني آثر أن يكون محاكاة لوجود فني نحتي، فجاء بهيئة نصوص تتماهى وتتمظهر مع تعبيرات/ شيفرات تبثها هياكل نحتية شهيرة بمثابة بانوراما أطلق عليها تسمية “نصب الحرية”. هياكل وضعت على لافتة كونكريتية بطول 52 مترا وبارتفاع 10 أمتار فكانت بمثابة مسيرة تاريخية لشعب أراد أن يقول ويهتف بمعاناته وألمه، بأمّ تحتضن وليدها الشهيد، بسجين طعين رمي في غياهب الدهاليز العتيمة لمجرد رفضه جورا يطبق كالغيوم الدكناء في سماء أهله، بثورة تنبثق من بين حشود الشرائح الاجتماعية المكبلة بالتكميم والقيود والكبت الداخلي، بجيش انبثق من صفوف الشعب ليطيح بقلعة الظلم والجور والعسف.

التجربة الشعرية لدى الحطاب تتقدم بناء على خبرة إبداعية انسكبت على الورق صدقا

إنّ التجربة الشعرية لدى الحطاب تتقدم بناء على خبرة إبداعية استطاع من خلال التعايش اليومي للأحداث وتواجده في خضمها أن يستوعبها فتنسكب على الورق صدقا. يتحقق الصدق من خلال الإثبات الكتابي مع الصور التي جاءت مجزأة في الصفحات. ولو أعدنا كتابة شعره أسطرا متتالية لتشكلت لنا جدارية جواد سليم الصورية وهي تسير بتواز مع مسار الكلمات.

"مَن يزن الصرخة بميزان الألم”؟ يقول جواد الحطاب متسائلا ناحتا تحت جزئية من جزئيات نصب الحرية، وتحديدا تحت الأم الملتاعة وهي تحتضن جسد ولدها الشهيد؛ شهيد الوطن، وكان حلمه أن ينتزع الحرية من أيدي الطغاة المستعمرين فانتزعها، لكن الإخوة الأعداء أدوات الاستعمار الأكثر من أسيادهم بطشا هم من فتحوا عليه النار فأردوه لحزن الأم الذي لا يتبدد.

إنها تحتضنه وقد دفنت وجهها في صدره تتشمم رائحة دمه الزكي وهو يتدفق من الجسد المنتفض فتعيدها إلى أيام كان طفلا في حجرها تتنعم بضحكته وتهيم بألق عينيه وهما تتوهجان فرحا بين ذراعيها.. إنها تنثر دمعها الآن على جسده.. تماما على “غار” الصدر الذي فتحته الطلقات، فيهتف لحظتها الله “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا”: “فتحت الطلقات (غارا) له في جسده/ فدخل.. واعشوشبت وراءه المقدسات".

مجموعة شعرية خرجت عن السياق التقليدي للقصيدة

لكن السجين، الشيفرة الأيقونية التي تؤكد متوسط المسافة بين بدء النضال وبلوغ الهدف، يتعملق بالصبر المخزون في الذات والكبرياء الصاعد حتى الحناجر.

إنه في جدارية جواد سليم التي يحاكيها الشاعر صبر لامحدود وجبروت يكسر القضبان بصيحته التي تخلق هلعا في قلب السجان، في حين تكتئب دواخل الشاعر. لا يرى من ينصف السجين على الورق، ومن يكتب سنوات سجنه سيكتبها بريشة تنأى عن الانصاف؛ سيدونها على أنها فضاء يستحق اللعنة:

"قرأ العرافون أكباد الحيوانات/ وتتبعت العرافات مسار الدم: ثمّت من يكتبكم/ بريشة طائر ملعون".


مسيرة عذاب


يندرج الاكتئاب في البروفايل عند الشاعر بخانة القهقرى حيث النصر الذي حققته الفالة (آلة صيد تقليدية استخدمت في ثورة العشرين) قبل ثمانين عاما أخذ يتهالك ويتهاوى، ويغدو هزيمة تطيح بهيبة الأجداد واعتزاز الآباء.

فنهاية مسيرة العذاب التي أريد لها أن تنهي حقبة الدكتاتورية السوداء توقفت عند سرقة نصرنا القديم لا تطلّعنا الآني، فقد تمكنت مجندات الحرب الأخيرة من كسر الفالة، رمز الإباء وشيفرة الشموخ والدخول لتركل بأساطيلها ميادين الرجال، أرحام الآباء، وجاء الألم سؤالا ينتظر ردّا بحجم الألم واللوعة والعذاب، يقول: “أأخيرا.. /أأخيرا أيتها الفالة/ تمكنت المجندات/ من أرحام الرجال"؟

المجموعة حبلى بما يستحق تناوله باهتمام، والنصوص تحمل شيفرات متعددة سواء بما تأتي به الكلمات أو تقود إليه الجمل وتراكيبها التي جاءت شعرا يأخذ بالمتلقي صوب محفات التداول الخطابي والتحاور لما وصل إليه الإنسان العراقي. لذلك لا تسع هذه القراءة السريعة ما ضمته مجموعة الشاعر الهامة، فالأفكار تترى، والبوح الذي أمطر به الكلمات وسقاها يحتاج إلى تفاعل وتعامل يتساوق مع الفحوى (المضمون) الذي تقدم عليه الشكل.

14