جذور"المؤامرة"

الخميس 2015/11/19

من سوء طالعنا أننا نشأنا داخل ثقافة لا تشجعنا على تحمل مسؤولية أفعالنا وتبعات أعمالنا ونتائج اختياراتنا.

لقد نشأنا داخل بيئة ثقافية تقليدية تشجعنا على المظلومية والهروب من المسؤولية: يرسب التلميذ في الامتحان فيقول “رسبوني”، ما يعني أنه ليس مسؤولا عن فشله؛ يأتي المسافر متأخرا عن الموعد أو يتأخر في الاستيقاظ ثم يقول “فاتني القطار”، ما يعني أنّ المسؤولية لا تقع على كاهله وإنما على كاهل القطار؛ يتعرض المرء للشمس أو البرد فيمرض ثم يقول “ضربتني” الشمس أو “أصابني” البرد، ما يعني أن المسؤولية تقع دائما خارج الذات؛ يُضيع السائق مفاتيح السيارة ثم يقول ضاعت مني المفاتيح، كما لو أن المفاتيح هي الفاعل أما الذات فإنها الضحية التي وقع عليها الفعل؛ يفشل الشّخص في اختياراته المهنية أو العاطفية فيحيل الأمر كله إلى الحظ العاثر أو الحسد القاهر أو العدو الغادر.

الإنسان عندنا كائن يئنّ تحت وطأة الشعور الوسواسي بالظلم والغدر والاحتقار، إنه كائن مظلوم في كل أحواله، وإنّ الأقارب والأباعد ليحسدونه بسبب أو من دون سبب، وإن الإنس والجن ليتآمرون عليه طول الوقت وباستمرار، لا لشيء إلاّ لأنّه إنسان “غلبان”.

الخروج من ثقافة المظلومية ليس بالأمر الهين، فالعطب ضارب بجذوره في الماضي القديم، ماضي الفرد وماضي المجتمع: يرتطم الطفل الصغير بالطاولة وما إن يشرع في الصراخ حتى نلجأ إلى ضرب الطاولة أمام أنظاره عساه يسكت.

وبالفعل قد يسكت، لكننا نكون في المقابل قد نقلنا إليه أحد أخطر أمراضنا: أنت لست مسؤولا عن مصائبك، المسؤول عن مصائبك هو الآخر، البشر والشجر والحجر.

هذا المرض – شأنه شأن سائر الأمراض النفسية الأخرى- سرعان ما يصبح مرضا جماعيا في آخر المطاف.

في مروياتنا الشعبية الزّمن دوّار، والبحر غدّار، والرفاق أشرار، والبيوت أسرار، والنّبيه من يتوجّس من كل شيء.

لكن، سرعان ما ينتقل هذا الدّاء العضال إلى مستوى التحليل السياسي فيصبح مصطلح “المؤامرة” مفتاح التحليل الوحيد والأوحد لكل القضايا المحلية والإقليمية والدّولية.

24