جذور التكفير والتخوين في فكر الإخوان المسلمين

الأربعاء 2014/05/21
استعمل الإخوان تقنية الخطاب "المانوي" في تكفير الخصم السياسي

باستفتاء 19 مارس 2011 أضاع المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحلفاؤه من بين الإخوان والسلفيّين فرصة بناء “الدولة”. هما طرفا المقص، جناحا طائر كاسر، يكرهان مبدأ ثورة، يراها الجيش متعارضة مع “العقيدة” العسكرية، ويراها “الإسلامجية” مغامرة، ربما تعصف بجسر سري يربط هذه الجماعات بالسلطة، وعبر هذا الجسر تمر اتفاقات وتفاهمات وتواطؤات.

تمّ خلعُ مبارك ولم ترفع الثورة شعارا دينيا، وهذا كافٍ لبناء “الدولة”. ثم أفقنا بعد اتفاق طرفي المقص على قصقصة الثورة، وهي قبس من النبوة، تشرق لكي تمنحنا أملا، ولا بد أن نكون أهلا لهذا الوحي، إذا ذهبت الفرصة فربما لا تعود في هذا الجيل، ربما في جيل لاحق يستحقها، ويكون مؤهلا لتلقي وحي “الدولة”.

لا علاقة لمسار “الأخونة” بوجود الإخوان في السلطة. تسري “الأخونة” في ظل الأنظمة الاستبدادية والضعيفة، تصطنع لنفسها أذرعا وتشابكات تشمل مؤسسات اجتماعية واقتصادية وتعليمية وخدمية. أحيانا يكون الاتفاق سافرا، حين واجه السادات بحشودهم قوى اليسار، ثم ارتبك مبارك في التعامل معهم، بين المهادنة والصراع المحسوب.

بعد إعلانهم الحرب على نظام مبارك، وقتلهم مواطنين وسياحا ومفكرين، ليؤكدوا للعالم عجز النظام وعدم قدرته على حماية “الرعايا والأجانب”، زايد مبارك عليهم، إذ “استخدم” فريقا ممن يوصفون بالوسطية، مثل محمد الغزالي، محمد عمارة، أحمد عمر هاشم، وعبدالصبور شاهين.

وأتاح لبعضهم مساحات في وسائل الإعلام الحكومية، واحتل آخرون مناصب في الجامعات الحكومية وفي حزب مبارك الحاكم. عاثوا في الناس تكفيرا، واختلقوا معارك وقودها الطلاب والحجارة، ثم ضحوا بنصر حامد أبو زيد.

في بعض الأحيان بدا لي الحكم بتفريق نصر عن زوجته الدكتورة ابتهال يونس قربانا لشراء صمت الإرهابيين، والمزايدة عليهم بأن نظام مبارك نفسه لا يقل عنهم تمسكا بمبادئ الشريعة، وهو نص دستوري استمال به السادات “الإسلامجية”.

صرخ يوسف البدري في وجهي: “أبو زيد كان يعُلّم (طلابه) الكفر والإلحاد. هو كافر بحكم المحكمة”. تقريبا سمعت هذا الكلام حرفيا من عبدالصبور شاهين في مكتبه بكلية دار العلوم، تبرأ الرجل أمامي من اتهام نصر، وقبل أن أستريح بهذا الاعتراف عاجلني: “لكنه كافر بحكم المحكمة، والحكم عنوان الحقيقة”.
لم يخل تاريخ الإخوان من المؤامرات مع الأنظمة التي تعاقبت على مصر

يقصد بالحكم، ما حكم به قاضي المحكمة، وليس نظام مبارك الذي أتاح لشاهين منبر مسجد عمرو بن العاص، وبرامج تلفزيونية، وعضوية لجنة الشؤون الدينية بالحزب الوطني الحاكم.

الفرق بين الرجلين أن يوسف البدري يُنفّرُك مما يدعو إليه، ويتأكد لك أن المسألة مجرد «أكل عيش»، أما شاهين فهو خفيف الظل، ابن نكتة. أهداني كتابه «أبي آدم، قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة»، وفيه جرأة من شيخ مثله على أن يقول إن آدم لم يكن أول الخلق، “كان أبا الإنسان لا أبا البشر”، فأقام البدري دعوى “حسبة” أمام المحكمة، متهما شاهين بما سبق أن اتهم به هذا الأخيرُ، قبل أعوام قليلة، نصر حامد أبو زيد.

في كتابها «صورة لمصر، رحلة في عالم الجماعات الإسلامية المتشددة: صورة جديدة لأسامة بن لادن» تسجل الأميركية ماري آن ويفر أنّ شاهين قال لها إنّه أصرّ على إخراج نصر من جامعة القاهرة، “إذ كيف يمكن لمرتد أن يقوم بتدريس القرآن؟ نعم القتل هو العقوبة الشرعية للمرتد”.

كأنك سمعت هذا الكلام خرج من فم رجل آخر قبل سنوات، حين أصبح القتل حقيقة، وسال الدم على الأسفلت. شهد بذلك محمد الغزالي حين استدعته المحكمة في قضية فرج فودة الذي قتل بعد فتوى صَرّحَت بتكفيره، وقال الغزالي، “الشيخ الوسطي المعتدل”، إنّ فودة “كافر ومرتد ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان في هذا افتئاتا على حق السلطة، ولكن ليس عليه عقوبة”.

كتاب «صورة لمصر» صدر في الولايات المتحدة عام 2000، وهو ثمرة بحث زاد على عشر سنوات، منذ اكتساح الجماعات الإسلامية انتخابات الاتحادات الطلابية في نهاية السبعينيات، «وبدأت بسرعة في فرض إرادتها، فقد منعت بالقوة تدريس دواوين شعر ومنعت الاحتفالات بالأعياد الوطنية الدنيوية. حيث تم النظر إلى عيد الأم على اعتبار أنه عيد وثني…

كانت حملتهم تتم تحت قيادة رجل دين كفيف يمتلك القليل من الشهرة في تلك الفترة خارج صعيد مصر، وكان يدعى الشيخ عمر عبدالرحمن». أمّا الترجمة العربية فأصدرها المركز القومي للترجمة في القاهرة، بعد خلع محمد مرسي.

في منفاه بهولندا بدا نصر حامد أبو زيد مستوعبا لخريطة التوطؤ، إذ قال لماري آن ويفر إن قادة الإرهابيين في السجون كانت لهم شروط للتفاوض مع نظام مبارك، ونقل كلّ من الغزالي وشاهين تلك الشروط، ففي مقابل إيقاف الهجمات، التي تودي بأرواح السياح وتهدد الاقتصاد، يجب التضحية بالأصوات العقلانية في الفكر الإسلامي، والإجابة هي «نصر» الذي قال للمؤلفة: «كنت كل يوم أتوق للعودة إلى مصر. ولكنّي الآن، أخبرت زوجتي ابتهال بأن لا تقوم بدفني في مصر لو متّ خارجها».

لا أعرف متى قابل نصر مؤلفة الكتاب، ولكن لدي رسالة كتبها في لايدن يوم 31 يناير 1997، يقول فيها إنّ نظام مبارك حاول إنقاذ نفسه بالتفاوض «مع الحركات والتنظيمات الإرهابية»، وأن ترقية نصر جامعيا «رفضت في سياق محاولة التفاوض الثانية بين النظام والإرهاب».

المفكر فرج فودة راح ضحية فتوى تكفير نفذت من قبل أناس يجهلون القراءة والكتابة

رسالة نصر تكشف عورة بعض أصدقائه، وكنت أنوي نشرها لولا أن سعيد الكفراوي استحلفني بنصر ألا أفعل. قال إن جابر قام بمصالحة نصر في الفترة الأخيرة، «وأنت تعرف أن نصر طفل يصفو بسرعة»، وإزاء صمتي أضاف الكفراوي “أنّ ابتهال أيضا سامحت جابر”. وقال: “إنس جابر، ده مسكين وصاحب عيا». لا أتذكر كيف وصلتني تلك الرسالة التي ضاعت سطورها الأخيرة، وربما يعثر عليها أولادي بعد موتي، وسيكون السياق قد تجاوز جابر وأيّ عصفور آخر.

أنظر حاليا إلى حرائق جامعة الأزهر، منذ إنهاء حكم محمد مرسي، وأتذكر حريقا أشعله رئيسها أحمد عمر هاشم، عام 2000.كان هاشم عضوا عينه مبارك في مجلسَيْ الشعب والشورى، وعضوا في المكتب السياسي للحزب الوطني الحاكم، ورئيسا للجنة البرامج الدينية في التلفزيون الحكومي، ومن خلال موقعه الحكومي أشعل الحرب، وقال: «الفجور ليس في الفن والإبداع»، وهو يشير بأصابع الاتهام إلى رواية حيدر حيدر «وليمة لأعشاب البحر».

الرواية التي كتبها سوري عن عراقيين في الجزائر، كانت تأتي من بيروت وتوزع في القاهرة منذ سنوات، ولم تفتن مسلما في دينه. ثم أصدرت الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 1999 طبعة شعبية زهيدة الثمن، فنفدت من دون أن تسجل واقعة ارتداد مسلم أو إدانته للمؤلف.

في منتصف عام 2000 تظاهر طلاب جامعة الأزهر، بتحريض رئيس الجامعة. رفعوا المصاحف، منددين برواية استقرت في مكتبات من حظي بنسخة منها، ولم تكن معهم نسخة لكي يحرقوها، وكان حيدر حيدر في سوريا، فأفلت من الحجارة، وإن لاحقه اتهام بـ”التجديف في دين الله” بسبب رواية لم يقرأها الغاضبون.

13