جذور الخروج البريطاني من أوروبا بدأت بغزو العراق

الخميس 2016/11/03
جيريمي غرينستوك: كنا ركابا في عربة الدرجة الثانية بقطار احتلال العراق

لندن – لم تخرج بريطانيا من صدمة الاستفتاء على خروج البلد من الاتحاد الأوروبي. ورغم أن بينها وبين “البريكسيت” الحقيقي مفاوضات شاقة لم تبدأ بعد، ورغم أن الحكومة البريطانية ونخب البلد السياسية تعتبر أن الأمر لا رجعة عنه رغم الجدل بشأنه، فإن الأمر يطرح أسئلة لا تتوقف حول هوية البلد ومستقبل كينونته في القارة العجوز كما في العالم أجمع.

ووصف باتريك وينتور، المحرر الدبلوماسي لصحيفة الغارديان، بريطانيا بعد 13 عاماً على غزو العراق بأنها كانت شريكاً من الدرجة الثانية في الحرب، وأن النفور الشعبي الذي نشأ ثم تلا تلك الحرب، عزز منحى داخليا يدعو إلى الابتعاد عن أيّ انخراط في مستنقعات الخارج، بما يفسّر لجوء مجلس العموم البريطاني إلى التصويت ضد مشاركة بريطانيا في ضربات عسكرية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، كما يفسّر سهولة التسويق للخروج من أوروبا والعودة إلى رؤى بريطانيا-الجزيرة في انعزالها عن شؤون العالم.

واستند وينتور على تصريحات السير جيريمي غرينستوك، وهو واحد من أرفع الدبلوماسيين السابقين، وكان يشغل سابقا منصب سفير بريطانيا في الأمم المتحدة.

ونقل عن غرينستوك الذي شغل مسؤول الإدارة البريطانية في العراق في العام 2004، قوله “إن التأثير البريطاني على الولايات المتحدة خلال حرب العراق كان هامشياً، كنا في عربة الدرجة الثانية ولم نكن نسوق القاطرة”.

وأضاف أن “الإدارة الأميركية كانت ترى العراق مشروعا أميركياً بكل معنى الكلمة، وهم وحدهم، من لهم الحق لإدارته”.

وجاءت تصريحات الدبلوماسي البريطاني غرينستوك بمناسبة صدور كتابه الجديد “العراق: كلفة الحرب”، الذي سبق وأن تخلّى عن فكرة نشره في العام 2005 بعد اعتراضات وزير الخارجية السابق جاك سترو، لكنه عاد إلى نشره هذه الأيام بعد موافقة الحكومة البريطانية وبعد نشر تقرير لجنة تشيلكوت للتحقيق في حرب العراق الصيف الماضي.

واعتبر غرينستوك أن شبح الحرب ما زال مخيماً على السياسة البريطانية المعاصرة، وحتى الاتجاه الانعزالي الذي تكشّف “في طيات التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي يمكن تتبع جذوره، جزئيا، في النفور الشعبي البريطاني من حرب العراق، فالنخبة والقوة العظمى لم تعد مقبولة”.

وتناول انعكاسات تلك الحرب على الولايات المتحدة، معتبراً أن مسلسل ما جرى في العراق خلّف ضرراً هائلاً على الموقف الأميركي، فقد بات “من غير المقبول بالنسبة إلى معظم الناس في كوكبنا اليوم أن تفسر الولايات المتحدة لوحدها الشرعية الدولية”.

وكشف الدبلوماسي البريطاني تفاصيل جديدة عن تنافر الرؤيتين الأميركية والبريطانية مبرّئاً رئيس الوزراء الأسبق توني بلير من تهمة خوض الحرب بأيّ ثمن، معتبراً أن بلير كان سيكون سعيداً لو أجّل الرئيس الأميركي جورج بوش قرار الغزو.

ورأى غرينستوك في كتابه أن بوش أخطأ في تنفيذ المهمة، ذلك أن “التركيز على التخلص من صدام حسين دون التخطيط للخطوة المقبلة كان تفكيرا ضيّق الأفق، ولو تم التفكير بشكل آخر لتغيّر شكل العمليات العسكرية، وكان البريطانيون قد وثقوا كثيراً بأن الأميركيين فكروا ملياً بطبيعة الحرب التي أرادوها”.

ويكشف تحليل وينتور وتصريحات غرينستوك بذور مراجعة داخلية في بريطانيا تنحو إلى تطهير الذات من استسلام كامل للندن لتوجهات واشنطن الخارجية، وصحوة على الخسائر التي مني بها موقع بريطانيا في العالم كما المنعة الداخلية التي تصدّعت مذاك وقادت إلى “بريكسيت” يهدد وحدة أوروبا، وبدأ يهدد وحدة المملكة المتحدة نفسها.

1