جذور متفاوتة الامتداد للإسلام السياسي في ليبيا

الأحداث والتطورات الجارية في ليبيا لا يمكن عزلها عن واحد من مكونات الصراع الأساسية وهو الإسلام السياسي بمختلف تشعباته وجذوره وانزياحاته، على ضوء الرغبة في أسلمة المؤسسات القضائية والاقتصادية والسياسية والتعليمية، والتي دفعت بحركة الإخوان المسلمين ـ عبر تاريخهاـ في ليبيا إلى مختلف وسائل الترغيب والترهيب والعزل والإقصاء والمقاطعة، وبنسب متفاوتة، وفي أوقات مختلفة، من أجل تعزيز موقعها في المجتمع.
الاثنين 2016/07/11
إسلاميو ليبيا حضور رفضه الماضي والحاضر

طرابلس - إخوان ليبيا اضطروا إلى إظهار ما لا يبطنون أحيانا، وهم بالطبع ينتمون انتماء عضويا وتاريخيا إلى حركة الإخوان المسلمين العالمية ومركزها مصر، ودورهم في ليبيا متمم لدور الحركة العالمي.

وتعمد الحركة إلى استقطاب عدد كبير من المتفوقين علميا والمؤهلين والشباب المثقف في مجالات معرفية متلوّنة، وفيها كذلك أعداد كبيرة من المهنيين والخبراء في مختلف المجالات، مما يجعلهم قادرين على البروز في المجتمع والحصول على المناصب والأماكن الحساسة، ولا يجعل من السهل على المجتمع أن يستغني عنهم فهم أبناؤه وهم جزء منه.

الإخوان اليوم ـ وبحسب مراقبين ليبيين ـ في مقدمة ما يسمى “الإسلام السياسي”، أي الإسلام الذي يخوض المجالات السياسية ويسعى للوصول إلى السلطة بالوسائل السلمية، وأحيانا بالعنف والقوة. لكنهم يواجهون مشكلة ثنائية “الأيديولوجيا والسياسة”.. أيهما المرجعية؟ والمعضلة الأخرى هي التعامل مع الواقع السياسي الذي يضم أطيافا من البشر فيهم من يستخدم وسائل سليمة وفيهم من يستخدم وسائل غير سليمة بل وقذرة أحيانا.. وهكذا.

وقد كان لإزاحة الإخوان عن نظام الحكم في مصر في يوليو 2013 أثر كبير على أداء الإخوان في ليبيا، وظهر ذلك ظهورا بيّنا من خلال ما أفصحت عنه نتائج انتخابات البرلمان في مايو 2014.

ويعود أصل الإخوان في ليبيا إلى إخوان مصر، الذين وفدوا هروبا من ملاحقات نظام جمال عبدالناصر، واستقروا في بنغازي ودرنة في أوائل خمسينات القرن الماضي. كما وفدت أعداد منهم للتدريس في الجامعة الليبية في بنغازي واختلطوا بالطلاب المتعطشين للفكر والحركات الجديدة. ومن أبرز هؤلاء عزالدين إبراهيم ومحمد محمد حسين وغيرهما.

معهد الإمام المهدي السنوسي في البيضا التابع لجامعة الإمام علي السنوسي كان له دور كبير كحاضنة للفكر الإسلامي في خمسينات القرن الماضي وتخريج العديد من العناصر من الإسلاميين وخاصة الإخوان المسلمين، الذين كانوا يذهبون لتلقي الدروس هناك من مناطق مختلفة في ليبيا.

وهناك أيضا الاتجاه السلفي الجهادي الذي يهدف كذلك إلى أن يحكم الإسلام كل شؤون المجتمع (الأمة) والذي يمثله أتباع الجماعة الإسلامية المقاتلة.

هناك فئة أخرى من الإسلاميين، وهي السلفية والصوفية التقليدية، التي تعتبر الأقدم على الإطلاق في ليبيا

وبزغت هذه الجماعة من رحم الظاهرة الأفغانية التي ترجع إلى “الأفغان العرب” و”القاعدة” و”بن لادن” دون انضمامها رسميا لأي منها، ومارست هذه الجماعة العمل المسلح في ليبيا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، فمات منها من مات، وفرّ من فر إلى خارج البلاد، وأدخل من بقي منهم إلى السجن. ومن منطلق ما أسموه بـ”الاجتهاد في فهم الإسلام” راجعوا وعدّلوا مفاهيمهم المتعلقة بالجهاد والحكم على الناس، مما أقنع نظام القذافي بأن يصالحهم ويفرج عنهم عام 2010، وفي أواخر العام 2011 أعلنوا حل تنظيم الجماعة المقاتلة رسميا، إلاّ أن الاتجاه استمر موجودا وبقوة إلى هذا اليوم.

وهناك أنواع أخرى من الإسلاميين وهي السلفية والصوفية التقليدية، التي تعتبر الأقدم على الإطلاق في ليبيا، ولكنها لا تملك برنامجا سياسيا واضحا، أو ما يمكن أن يطلق عليه التوجه السياسي. ولكن هذا لا يفسر بأنهم لا رأي لهم في من يحكم وبماذا يحكم وكيف يحكم وكيف ينبغي تغييره إن أخطأ الطريق؟ وتعود جذور الحركة الصوفية في ليبيا إلى المئات من السنين وقد تطورت مع تطورات الزمان والعصر، ولكنها ظلت هي الطابع الأغلب لسكان ليبيا.

ووجد في فترة ستينات القرن الماضي انتشار واسع في ليبيا لما يعرف بحركة التبليغ، وهي حركة وسطية تقليدية استمر وجودها في ليبيا لما يقل عن عقدين من الزمن. ونشأت هذه الحركة في شبه القارة الهندية وانتشرت بسرعة هائلة في العالم العربي وشمال أفريقيا.

وكذلك الحال بالنسبة إلى حزب التحرير الإسلامي ذي الأيديولوجيا المتشددة، وهو تنظيم منشق عن الإخوان المسلمين في غزة بفلسطين في أواخر أربعينات القرن الماضي، ووفد إلى ليبيا عن طريق أساتذة الجامعة الفلسطينيين الذين جلبوا للتدريس في الجامعة الليبية ببنغازي في أوائل خمسينات القرن الماضي، ثم جاء إلى طرابلس، ووضع جميع أعضائه البارزين في السجن أثناء سبعينات القرن الماضي، ويكاد يكون الآن قد انقرض في ليبيا بل وفي أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي.

وهناك كتل غير محددة الأحجام أو النفوذ من العناصر الإسلامية التي لا تنتمي إلى أي من تلك الجماعات، ومنها من تغذى أو تربى على بعضها ونهل من مشاربها كلها، ولكنه لم يرتبط بها كجماعة أو تيار إسلامي. ويبدو التنافس على أشدّه وقد يصل أحيانا إلى درجة الصدام بين هذه الاتجاهات التي تدعي كلها الوسطية والخطاب المعتدل.

13