جذور

لقد مر الآن، ثلاثة وأربعون عاماً على العمل الأدبي الذي يعرض قصة واقعية، دون أن يستوعب عبرتها النظام السياسي الأميركي، فيعمل جدياً على كبح وتجريم الممارسات العنصرية.
الأحد 2020/06/07
خيال خصب يصف واقعا مريرا

في العام 1976 ألقى الروائي الأميركي الأسود، أليكس هايلي، بروايته “جذور: ملحمة عائلة أميركية” كقنبلة توزعت شظاياها في سائر الأرجاء، وتلقفتها الدراما التلفزيونية، فبلغ عدد مشاهديها خلال عامٍ واحد 130 مليوناً، ناهيك عن عدد قرائها ككتاب، ظل لأكثر من 24 أسبوعاً، يتصدر مبيعات الكتاب في أميركا. لقد مر الآن، ثلاثة وأربعون عاماً على العمل الأدبي الذي يعرض قصة واقعية، دون أن يستوعب عبرتها النظام السياسي الأميركي، فيعمل جدياً على كبح وتجريم الممارسات العنصرية. فبقدر ما يطلق النظام السياسي ـ الاقتصادي، مسارات التقدم العلمي في سائر حقول الصناعة، تراه بالمقابل، يتعمد الإبقاء على تخلف شرائح من المجتمع الأبيض، في نظرته إلى الإنسان الأسود وغيره من الملونين وسكان البلاد الأصليين وشعوب العالم!

يوم أن أصدر أليكس هايلي روايته، كانت قد مرت مياه آسنة كثيرة، في مجرى العنصرية. فقد تعمد الروائي الأسود، أن يتحدث عن ملحمة عائلة أميركية لم يحدد أصولها. فلم يقل إنها أفريقية سوداء، ولا أيرلندية هاربة من عنصرية الإنجليزي الأبيض ضد الأيرلندي الأبيض، في زمن المجاعة الكبرى (1845 ـ 1849) ولا هي عائلة من البشر الأصليين الذين كانوا يسكنون أراضي الولايات المتحدة. فالعائلة التي كتب عنها هايلي، أفريقية الجذور، لكنه أصر على كونها أميركية وحسب!

من خياله الخصب، مع بعض مرويات شفوية منقولة عن أجداده؛ ظل أليكس هايلي لإثنتي عشرة سنة، يتقصى آثار العائلة، لكي ينسج حكاية أهله ويصل إلى جذرها على الأراضي الأميركية، منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر. أيقن أن الجذر، هو فتى مراهق، لعائلة مسلمة، ولأب من وجهاء قومه في غامبيا، وأن والده جعله يرعى قطيعاً من الماعز، ويتردد على كُتّاب القرية، لكي يحفظ القرآن الكريم. غير أن مجموعة من تجار العبيد السود المتعاونين مع الأميركي الأبيض، اختطفوه عندما تطرف قليلاً في الأدغال، وجمعوه مع “بضاعتهم” من البشر، لكي يُنقلوا بالسفينة إلى حيث العبودية في بلد “الحرية”. وعرف هايلي، أن الفتى الذي أصبح جده مقطوع الصلة عن كل ما وراءه من الأهل في غامبيا، كان يُدعى “كونتا كينتي” وأصله من قرية تُدعى “جوفور”!

كونتا ذاك، تعرض للضرب لأربعة أيام حتى أثخن بالجراح، قبل زجه في سفينة بدائية، في قاعها مهاجع كالقبور، ومع وصوله إلى الشاطئ الشرقي الأميركي بيع في سوق النخاسة، وبدأت رحلة الشقاء.

لم يقرأ الممسكون بمقاليد السياسات الداخلية الأميركية، مغزى أن تسري الرواية كالنار في الهشيم. فقد ظلت العنصرية على حالها، وظلت الذاكرة لدى الطرف الآخر، حيّة وقابلة للاشتعال.

24