جرائم اختطاف الأطفال تظهر الوجه القبيح للمجتمع الجزائري

خلف الإعلان الرسمي عن مقتل الطفلة نهال سي محند، من طرف مجهولين في بلدة آيت علي بمحافظة تيزي وزو، حالة من الغضب والاستياء في الشارع الجزائري، وأعاد الجدل مجددا حول تطور جريمة اختطاف الأطفال خلال السنوات الأخيرة، إلى درجة إشاعة الخوف لدى العائلات على فلذات أكبادها من أي تجربة مأساوية، وارتفعت الأصوات على شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، من أجل تطبيق عقوبة الإعدام في حق مرتكبي هذه الجرائم، لحماية المجتمع من أخطار الوحوش الآدمية.
السبت 2016/08/06
جرائم تستهدف اغتيال البراءة وترويع الأهالي

الجزائر - طالب محامون وناشطون اجتماعيون، بضرورة تطبيق عقوبة الإعدام، في حق مرتكبي اختطاف الأطفال، لردع المجرمين الذين نشروا الرعب في أوساط العائلات والشارع الجزائري، غداة النهاية التراجيدية التي آلت إليها الطفلة نهال سي محند صاحبة الأربع سنوات، فبعد أسبوعين من البحث المضني لمصالح الأمن والأهالي في منطقة تيزي وزو (120 كلم شرقي العاصمة)، أقرت السلطات القضائية المحلية بوفاة الطفلة في ظروف مجهولة بعد اختفائها عن الأنظار طيلة تلك المدة، وأن تحاليل الحمض النووي أكدت أن الأغراض وجزء من الجمجمة التي عثر عليها في المنطقة هي للطفلة نهال.

وأكد المحامي علي بوعبد الله في اتصال لـ“العرب”، أن النقاشات السياسية والخلفيات الأيديولوجية، هي التي عطلت مبادرات سابقة من طرف ناشطين ورجال دين ومحامين، بغية تفعيل عقوبة الإعدام في حق مرتكبي جريمة اختطاف الأطفال، بعد تفشي الظاهرة خلال السنوات الأخيرة، وتكرر الفواجع لدى المجتمع الجزائري، بشكل أشاع مخاوف حقيقية على البراءة من الوحوش الآدمية.

وأضاف “منذ سنوات يحرق الجزائريون أعصابهم ومشاعرهم مع حالات الاختطافات التي طالت أطفالا في عمر البراءة، وفي كل مرة يفلت الجناة من العقاب الحقيقي تحت يافطة حقوق الإنسان، وبسبب الجدل السياسي والأيديولوجي، المتراوح بين مبدأ القصاص وبين الانصياع وراء مقاربات المجتمعات الغربية في علاج الجريمة، وبينهما فجعت عائلات في فلذات أكبادها وتقطعت أوصال المجتمع”.

وتابع “إن عقوبة السجن المؤبد تنتهي في أغلب الأحيان بالإفراج المشروط أو العفو الرئاسي، فيعود هؤلاء المجرمون إلى المجتمع بأكثر وحشية، وإن ظاهرة اختطاف واغتصاب وقتل الأطفال هي واحدة من سيل الجرائم التي توحي بانحراف كبير في سلوكيات هؤلاء المجرمين، فالإحصائيات ما فتئت تكشف عن تفاقم كبير في معدل الجريمة وفي تطورها”.

وطالب رئيس جمعية “ندى” للدفاع عن حقوق الأطفال، عبدالرحمن عرعار، من جهته بإعادة تفعيل عقوبة الإعدام، بالتصريح “نحن في موقف لا نحسد عليه، وحان وقت رفع التجميد عن عقوبة الإعدام، خاصة في جريمة قتل واختطاف الأطفال، ونناشد الرئيس بوتفليقة رفع التجميد عن هذه العقوبة، وتبقى الجرائم الأخرى محل النقاش ثانوية، إذا قورنت بخطر تفشي جريمة اختطاف واغتصاب وقتل الأطفال في الجزائر”.

نهال سي محند أثار قتلها من طرف مجهولين حالة من الغضب والاستياء في الشارع الجزائري، وأعاد الجدل مجددا حول تطور جريمة اختطاف الأطفال

ورغم أن الجزائر لا تزال تصدر عقوبة الإعدام في بعض القضايا خاصة الأمنية منها، إلا أن التنفيذ مجمد منذ العام 1993، حيث مورست عليها آنذاك ضغوط كبيرة من طرف المنظمات الحقوقية الدولية، خاصة إبان اشتعال أزمة العشرية الحمراء منذ مطلع التسعينات، وهناك محكوم عليهم بالإعدام في قضايا معينة يقبعون في السجون دون أن ينفذ في حقهم الحكم.

وذهب ضابط أمني رفض الكشف عن هويته في تصريح لـ“العرب”، إلى أن جرائم اختطاف وقتل واغتصاب الأطفال، تعبر عن تحول كبير في سلوكيات الإجرام، ولو أن الظاهرة دخيلة على المجتمع إلا أنها صارت أمرا واقعا يستوجب التعامل معه بجدية، وتوسيع جهد المختصين لدراسة محيط هذه الجريمة، خاصة في ظل تفشي استهلاك المخدرات والحبوب المهلوسة، التي باتت تشكل ملاذ المجرمين والمنحرفين للقيام بجرائمهم، وتبقى المؤثرات العقلية العامل الأول الذي تنطلق منه مثل هذه الأفعال الشنيعة.

ورغم أن ظروف الاختفاء لا تزال غامضة، إلا أن الإعلان الرسمي عن مقتل الطفلة نهال سي محند، شكل صدمة قوية لدى الجزائريين، وأعاد سيناريوهات جرائم مماثلة وقعت في العديد من المحافظات كالعاصمة وقسنطينة والبويرة وتيبازة وغيرها، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، الأمر الذي طرح مسألة تأمين حياة البراءة في الشوارع وفي المدارس، وعكر حياة الأسر.

ووجهت نقابة الأئمة وشيوخ المساجد، نداء لمنتسبيها من أجل توحيد خطبة صلاة الجمعة، للمطالبة بتفعيل عقوبة الإعدام ضد قتلة الأطفال، ودعتهم إلى “تخصيص الدروس والخطب لحض رواد المساجد على الانخراط في المطلب المذكور”، وأرجعت تنامي مثل هذه الجرائم إلى “تعطيل تطبيق الأحكام الشرعية على قتلة البراءة، وأن عدم تفعيل عقوبة الإعدام ساهم في تفشي جرائم اختطاف وقتل واغتصاب الأطفال”.

وتحولت قصص الأطفال المخطوفين إلى مادة إعلامية دسمة، تغلب عليها الإشاعة أكثر من اليقين، وتتحول حياة العائلات إلى جحيم في انتظار مكالمة أو خبر عن مفقوديها، حتى ولو كانوا جثثا هامدة، وتتحدث أرقام غير رسمية عن مخطوفين بالعشرات خلال السنوات الأخيرة، منهم من كتبت له الحياة وعاد إلى عائلته يجر صدمته، كما هو الشأن للمولود ليث كاوة من قسنطينة وأمين ياريشان من العاصمة، ومنهم من بقي مصيره لغزا إلى حد الآن، كما هو الشأن مع الطفل بدر الدين لعموري من بلدة عين بسام بمحافظة البويرة (120 كلم شرقي العاصمة)، ومنهم من عثر عليه جثة هامدة أو قطعا مبتورة، مثل حالة نهال من تيزي وزو، وعلي وهاون بقسنطينة.

وتتعدد الروايات حول تنامي الظاهرة، بين أفعال إجرامية، وبين تصفية حسابات عائلية، وبين استعمال جثثهم للاتجار بأعضائها وحتى في السحر، إلى جانب الرغبة في الحصول على مولود لتبنيه، لكن الصدمة هي القاسم المشترك بين العائلات المفجوعة والمجتمع عموما، والطفولة البريئة هي التي تدفع ثمن الغرائز الحيوانية، والابتزاز المادي، والأمومة المزيفة، التي تحرك وحوشا آدمية صارت تمعن في حرق أكباد الناس.

21