جرائم الاغتصاب وأصداؤها الإعلامية والحقوقية.. حقيقة أم تضخيم

تكرر ظواهر الاغتصاب يثير الجدل داخل المجتمعات العربية والغربية وجرائمها تكشف أبشع الأمراض النفسية والاجتماعية.
الثلاثاء 2018/09/04
مجتمعات غربية تتصدر قوائم نسبة الاغتصاب

أعاد وقع الجريمة البشعة التي اهتز على وقعها التونسيون منذ أيام قليلة، والمتمثلة في اختطاف طفلة عمرها 15 سنة بمنطقة مجاز الباب، شمال تونس، واغتصابها لمدة 72 ساعة من قبل 4 وحوش بشرية من بينهم ضابط أمني ثم رميها في أحد الأودية المهجورة، فضلا عن الاعتداء بالعنف الشديد على جدّتها التي فارقت الحياة تأثرا بالإصابات ووالدتها التي تقبع حاليا بالمستشفى وحالتها الصحية حرجة للغاية.

أعاد وقع هذه الجريمة للأذهان ذكريات مرعبة اهتز على وقعها الرأي العام التونسي حول أبشع جرائم الاغتصاب التي استهدفت الأطفال في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي..

وتسأل النخب الثقافية في هذا البلد نفسها: أيعقل هذا في بلد يمضي واثقا في طريق الحقوق والحريات والديمقراطية، وبلاد من الأوائل التي أقامت وزارة خاصة للمرأة والطفل والمسنين تغتصب فيها المرأة والطفل والمسن؟

ثمة من يقول إنه تقصير قضائي حيث أن القائم بجريمة الاغتصاب في تونس إما يقضي فترة بسيطة في السجن وإما أن تستخرج له شهادة طبية وهمية تثبت أن له اضطرابات نفسية.

الأمر لا يتعلق بتونس وحدها، بل ببلدان كثيرة، هزتها جرائم بشعة من هذا النوع وتعالت الأصوات المستنكرة والمحتجة بضعة أيام ثم ما تنفك أن تعود إلى صمتها في انتظار جريمة اغتصاب جديدة، أكثر دموية وبشاعة كي تكون مادة دسمة للإعلام.

وعلى ذكر الإعلام.. هل لهذا الجهاز الخطير والحساس دور في التضخيم والفرقعة حتى لنخال بأن جرائم الاغتصاب تقع في كل ثانية وفي كل انعطافة من الشارع، وكأن جميع الناس ذئاب بشرية تفترس بعضها افتراسا؟

مهلا.. لنكن أكثر واقعية ونلقي بنظرة فاحصة ونتتبع خارطة البلدان التي كانت ولا تزال مسرحا مفتوحا ومكشوفا لجرائم الاغتصاب، سنفاجأ حتما بأن بلدانا معروفة برقي مجتمعاتها وتطور قوانينها، تتصدر قائمة الدول التي تعاني من جرائم الاغتصاب.

وفي المقابل، فإن بلدانا محسوبة على مناطق الفقر والتخلف، تشهد تراجعا واضحا في جرائم الاغتصاب والتحرش. هل يعود ذلك إلى مجموعة قيم اجتماعية ودينية، مثلت نوعا من الحصانة والدرع الواقي أم أن الأمر أعقد من كل ذلك؟

يمكن القول إنها ظاهرة الاغتصاب قديمة – جديدة وارتبطت بطبيعة المجتمعات العربية وبِنيتها المحافظة؛ ونقصد بـ”المحافظة” هنا أنه لطالما كانت هناك إحاطة لجرائم الاغتصاب بالكثير من التكتم والسرية من قِبل أسَر الضحايا خشيةً من الفضيحة أو خوفا من المغتصب في ما مضى؛ أما خلال السنوات الأخيرة، فقد ظهر اهتمام كبير من لدن منظمات المجتمع المدني المهتمة بقضايا الاغتصاب.

اهتمام منظمات المجتمع المدني بقضايا الاغتصاب أخرج هذه القضايا من خانة المسكوت عنه، لتصبح مَحط نقاش الرأي العام الوطني بمختلف فاعليه (حقوقيين، باحثين، وإعلاميين)، ناهيك عن الأرقام الصادمة التي تسجَّل حول هذه الظاهرة من لدن جمعيات المجتمع المدني التي تشتغل على قضايا الاغتصاب.

يرى المتخصصون أن هناك ثلاث مؤسسات رئيسية توزع الأدوار في ما بينها من أجل ترسيخ تربية جنسية متوازنة للأطفال هي: مؤسسة الأسرة ودورها الذي يتمثل في الحوار والتواصل الدائم والتعريف بالجسد للطفل والمخاطر الخارجية التي يمكن أن تلحق به وتوعيته وتأطيره بسُبل عقلانية واضحة وبسيطة، ناهيك عن دورها الكبير في عملية المراقبة المستمرة، وعدم الوقوع في فترات يُهمل فيها الطفل فيكون عرضة للأذى. والمدرسة من خلال إدراج مناهج متعلقة بالتربية الجنسية وتكوين الأساتذة في هذا المجال من أجل تحقيق تنشئة اجتماعية متوازنة للطفل وبناء جيل واع ومدرك. ثم الإعلام الذي يرتكز دوره على خلق النقاش العمومي حول الظاهرة وتمرير رسائل توضيحية من خلال استضافته لمختصين من أجل تحليل الظاهرة، واقتراح أساليب وقائية وتربوية للأطفال والمراهقين، بهدف عدم الوقوع ضحية جريمة اغتصاب.

السؤال المطروح اليوم أمام هذه الظاهرة الخطيرة: أين الخلل؟ من المسؤول؟

هل هي مسؤولية الحكومة أم القضاء أم المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان وهي سلاح ذو حدين أم هي “جرعات مفرطة في الحرية” كما يقول أحد التربويين المحافظين في تونس.

للمزيد:

التبرير اشتراك في جريمة الاغتصاب

الاغتصاب.. التهويل مجانب للحقيقة

12