جرائم التهديد على الإنترنت تتستر باسم حرية التعبير

الجمعة 2014/06/20
صعوبة إيجاد إشارات تدل على المهاجمين تزيد المخاوف من الهجمات المحتملة

تتداخل الخطوط الفاصلة بين حرية التعبير وحق الخصوصية في وسائل الإعلام عامة، لكن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فتح الباب للعديد من التأويلات بخصوص ما يتم نشره، وذلك في غياب التشريعات القانونية التي تنظم عملها وتجرّم التهديدات واختراق خصوصية الأفراد عبرها، وهذا على المستوى الدولي وليس فقط العربي.

وتحدثت الكاتبة جيسكا فالنتي في صحيفة الغارديان البريطانية عن تجربتها الخاصة ككاتبة وصحفية، ووصفت حادثة بسيطة كمثال عما يجري في عالم التواصل الاجتماعي، “كانت صديقتي تجلس في حديقة عامة،الأسبوع الماضي، عندما شعرت بوجود من يتسلل من ورائها، ولاحظت رجلا كبير السن يلتقط لها الصور من الخلف، وعندما أوقفته، صاح في وجهها بأنه يحق له التعديل الأول كمتسلل، لم يعرف أي منهما أن ما حدث هو قاعدة أساسية لمعركة قانونية جديدة على الإنترنت، وهي الحق في التسلل أو الاختراق”.

وتابعت، أن المحكمة العليا في الولايات المتحدة أعلنت الأسبوع الماضي أنها سوف تسمع الحجج في قضية، (إيلونيس الخامس ضد الولايات المتحدة)، حول ما إذا كانت التهديدات على وسائل التواصل الاجتماعي تحميها حرية التعبير.

وأضافت “إنها لحظة فاصلة لأحد مثلي ممن يؤمنون بأن التحرش على الإنترنت غالبا ما يكون مرعبا أكثر من الواقع، فعندما يصرخ بك شخص ما في الشارع أو يهددك، يمكنك استخدام حكمك أو حدسك للتأكد من مدى خطورة الموقف، لكن حين تتعرض للتهديد عبر الإنترنت، ليس لديك طريقة لمعرفة هوية الشخص الذي يهددك، وهذا ما يشكل خوفا أكبر”.

وأشارت الدراسات الحديثة إلى أن الصحفيين أكثر الفئات الاجتماعية تعرضا للاعتداءات اللفظية والتهديدات على مواقع التواصل الاجتماعي وبالأخص توتير. وذكر مسح أشرفت عليه الباحثة إيمي بينز من جامعة لانكشاير البريطانية، أن الغالبية العظمى من الصحفيين تعرضوا إلى شتائم وإهانات لفظية وحتى تهديدات عبر الإنترنت. وقالت بينز “لدينا بالفعل الكثير من الأدلة على شتى الاعتداءات على الصحفيين عبر المواقع الاجتماعية”.

داليا ليثويك: المحكمة لم تنظر في مسألة التهديدات من زاوية التكنولوجيا الحديثة

وفي محاكمة أنتوني إيلونيس، المدعي في القضية، وقد تم إيداعه السجن بعد نشر تهديدات بالمضايقة والعنف ضد زوجته وزملاء العمل في الفيسبوك، تنظر المحكمة العليا في “التهديد”، أي ما هو كاف بالنسبة لشخص طبيعي وعاقل مثل زوجة إيليونس لجعلها خائفة، عبر نشر التهديدات، أو ما إذا كان على هيئة المحلفين أن تحدد بأن شخصا مثل إيليونس لديه دوافع فعلا.

أو إذا كان المحتوى أو السياق الذي تندرج ضمنه التهديدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي يجعلها كلمات غير جدية. ورأت المحكمة أنه لا يمكنك مثلا الصراخ في مسرح مزدحم “نار”، ثم تطالب بالحماية استنادا للتعديل الأول لتجنب العواقب، وهذه الحالة تعتبر مشابهة لما عليهم التقرير بشأنه، فإذا نشرت على تويتر، أنا ذاهب لاغتصابك، أو على الفيسبوك أنا ذاهب لقتلك، ثم تطالب بالحقوق الدستورية.

بدورها قالت الصحفية داليا ليثويك، أن واحدة من عوامل الخلط هنا هو أن المحكمة لم تنظر بعد في مسألة التهديدات الحقيقية من خلال زاوية التكنولوجيا الحديثة، ذلك أن مناقشة المحكمة للقضية كخطاب في مسيرات وأعمال حرق، يختلف بشكل جوهري عن منشورات على فيس بوك أو تويتر، كما يدعي إيليونس أنه لا يمكنك استخدام معيار المتلقي عندما تتعامل مع محادثة شخصية واستثنائها من السياق العام. وهو ما يحدث في شريعة الغاب على وسائل التواصل الاجتماعي.

بشكل أساسي، إيليونس ومحاميه يريدون منا التصديق بأن تهديداته على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يمكن أن يتم التعامل معها مثل التهديدات في الواقع الفعلي، حتى لو كانت تلك التهديدات تجعل شخصا عقلانيا خائفا جدا.

لكن أستاذة القانون في جامعة ماريلاند، دانييل سيترون، استشهدت بدراسة في كتابها القادم، “جرائم الكراهية في الفضاء الإلكتروني”، تبين أنه عندما تم استطلاع آراء الطلاب الجامعيين حول تأثير أنواع مختلفة من التحرش الجنسي، تم تصنيف الحوادث التي وقعت على الإنترنت بالأكثر فظاعة، لعدم وجود إشارة تدل على المهاجمين، وهو ما أدى إلى الخوف من الأسوأ.

جيسكا فالنتي: شهدنا ارتفاعا في الوعي حول التحرش عبر وسائل الإعلام الاجتماعية

وتقول سيترون، في حالة إيليونس، لا توجد وسيلة لمعرفة نبرة صوته وفيما إذا كان يضحك مثلا، لكننا نعرف أنه غاضب، طرد من وظيفته، ومعروف عنه تحرشه بالنساء، ولم يكن لدينا إشارة مادية تدل عليه، مما جعل التهديد أكثر إثارة للخوف.

معركة الاعتراف بوجود التحرش الذي يحدث على الإنترنت ظلت مستمرة لسنوات، ولكن بقدر ما أن بعض الناس يرغبون في الإدعاء بأن وسائل الإعلام الاجتماعية هي مكان غير واقعي بطبيعته، العديد من المآسي الأخيرة تحكي قصصا مختلفة.

في عام 2007 ، بدأت كاثي سييرا، مطورة الألعاب وخبيرة البرمجيات المعروفة، بتلقي التهديدات من متحرشين مجهولين، وعندما تحدثت علنا ازدادت التحرشات سوءا، تلقت صور فوتوشوب لها، وقالت إنها تعرضت للتهديد بالاغتصاب والخنق، ونشروا عنوان المنزل ورقم الضمان الاجتماعي في المنتديات على شبكة الإنترنت. ذعرت وألغت جميع التعاقدات التي أعلنت عنها، وقالت إنها سوف تتراجع عن الحياة العامة عبر الإنترنت.

وكانت قضية سييرا نقطة تاريخية فاصلة بالنسبة للنساء على شبكة الإنترنت، شكل ذلك بداية الاعتراف العلني المتزايد بأن التحرش على الإنترنت مشكلة خطيرة،المدافعون عنها وأنا منهم، اتفقوا بأن التهديدات على الإنترنت كانت إشكالية مرعبة. في ذلك الوقت، كان رأي الآخرين أنها كانت مجرد ثمن لممارسة الأعمال التجارية على الإنترنت. منذ ذلك الحين، شهدنا ارتفاعا في الوعي الاجتماعي حول التحرش عبر وسائل الإعلام الاجتماعية والطريقة التي يتم بها استخدام التكنولوجيا لترويع الناس.

18