جرائم الشرف

"جرائم الشرف" لا تقتصر على الشرق فقط، بل تنتشر بكثرة في الغرب، رغم كل ما يقال عن الحريات واللامبالاة الاجتماعية وغياب “الغيرة” عن عقل الرجل الغربي.
الأربعاء 2018/07/11
جرائم الشرف تحكّم شريعة القبيلة

يقول المفكر اليساري طارق علي، وهو بريطاني من أصل باكستاني، إن حفيدة عمه “زينب” (18 سنة) قتلت بطريقة وحشية على أيدي أشقائها بسبب ارتباطها بشاب أرادت أن تتزوجه رغم معارضة أهلها، فلما استمرت في علاقتها به، أطلقوا عليها سبع رصاصات، وأن هناك 1262 جريمة “شرف” ارتكبت في باكستان عام 2006 فقط، لكن العدد الحقيقي يتجاوز ذلك كثيرا.

ولا تقتصر”جرائم الشرف” على الشرق فقط، بل تنتشر بكثرة في الغرب، رغم كل ما يقال عن الحريات واللامبالاة الاجتماعية وغياب “الغيرة” عن عقل الرجل الغربي.

وما زال القانون البريطاني يتسامح كثيرا في حالة “جرائم الشرف”، ففي العام 2003 مثلا صدر حكم بالسجن لمدة سبع سنوات على رجل قتل زوجته بعد أن اعترفت بأنها على علاقة بمدرب الكاراتيه الخاص بها، وقد وقعت الجريمة أمام ابنتيهما الصبية عندما أخذ الزوج يوجه لزوجته طعنات متكررة، وقال الرجل أثناء النظر في القضية أمام المحكمة إنه أصيب بالعمى من شدة شعوره بالغضب.

ويعتبر القانون البريطاني جريمة الشرف “قتلا على سبيل الخطأ”، ولا ينال مرتكبها أحكاما مشددة كالسجن المؤبد مثلا، بل أخف كثيرا من ذلك، كما يمكن أن يبرِّئه القاضي تماما ويلتمس له العذر؛ فالأمر متروك لتقدير القاضي.

في الأدب الغربي الكثير من الأعمال عن “جرائم الشرف” أو “جرائم العاطفة” حسب التسمية الشائعة، والتي يرى المستنيرون أنها تجلب “العار” لا الشرف، وأن الحل الأمثل لما يمكن أن يعتبر مساسا بالشرف في هذه الحالة، هو الطلاق.

لم يكن فيلسوف الوجودية الفرنسي جان بول سارتر يعترف بهذه الجرائم، وفي مسرحيته “جريمة شرف” يحوّل الموضوع من قضية تتعلق بالغيرة الشخصية بسبب الخيانة الزوجية، إلى “الغيرة السياسية”، وهي غيرة تنتج عن الانحراف عن الهدف الأيديولوجي، فهو يصوّر كيف يُكلّف شاب باغتيال زعيم الحزب الشيوعي بعد أن انحرف عن الخط السياسي للحزب.

لكن الشاب يصادق الزعيم، ويقترب منه، ويتفهم طبيعة أفكاره، ويتردد بالتالي في تنفيذ ما كُلّف به، ويصبح مثل “هاملت” يقف حائرا بين ما يفرضه الواجب، وما تفرضه المشاعر، ولكنه يحسم أمره عندما يدخل ذات يوم على الزعيم في مكتبه فيجد زوجته في أحضان الزعيم، فيجذب المسدس ويقتله.

ويقضي القاتل فترة في السجن ثم يخرج ويختبئ في منزل عشيقته، ويرسل الرفاق رجلا لتصفيته، وتطلب منه الفتاة أن يفصل بين الشخصي والسياسي، أي أن يعترف بأنه قتل الزعيم انتقاما لشرفه المهدور، لكنه يرفض ويصرّ على اعتبار ما قام به عملا سياسيا، ويخرج لملاقاة القاتل الذي أرسلوه إليه، والذي يتربص به ثم يقتله بالفعل فيموت معتقدا أنه قد أصبح بطلا من أبطال الحزب، في حين أن رؤساءه في الحزب يقومون باعتماد الرواية التي يريدون ترويجها والتي تتلاءم مع التوجه الجديد الذي يقضي بتبني الخط السياسي للزعيم الراحل، أي أن الرجل قتل انتقاما لشرفه.

سارتر يرى أن المغتال لا يحقّق شيئا من وراء بطولته الزائفة الانتحارية، وأنه كان مسؤولا عن اختياره وقد دفع ثمن هذا الاختيار، فهو يرى عموما، أن الإنسان مسؤول عمّا يقوم به، ولا يوجد هناك مجال لتبرير ما يفعله بأنه كان واقعا تحت تأثير الانفعال أو الغضب، كما لا يعترف سارتر بتأثير الأحلام على الإنسان لأن الأحلام تأتي من خارج الواقع، وكان سارتر يستخدم المسرحية لتجسيد ذلك المأزق الوجودي.

وقد أصرّ سارتر على أن القصد من المسرحية إدانة الحزب الشيوعي الفرنسي، لكن الحزب حظر عرضها بعدما وجه إليها انتقادات في الصحف التي كان يصدرها، وأوصى بألّا تعرض إلّا بعد موافقة الحزب.

جرائم الشرف كارثة اجتماعية، لأنها تلغي الدولة والقانون، وتحكّم شريعة القبيلة، وتكتفي عادة بمعاقبة طرف واحد، كما أنها جريمة لا تخضع للمنطق أو العقل، وكما قال ألبير كامي هناك “جرائم الشرف، وجرائم المنطق”، لكن المنطق غائب في الكثير من بلداننا!

16