جرائم اللغة

الأربعاء 2017/10/25

يختلف العرب في أمور السياسة بحكم اختلاف المصالح والتوجهات، لكنهم يختلفون أكثر حول ما يتعلق باللغة العربية، ففي العالم العربي توجد لغات “عربية” متعددة، وليس المقصود هنا “اللهجات” الشعبية التي يتحدثها عامة الشعب، فهذه موجودة ولا يعد استخدامها عيبا أو نقيصة، بل أقصد اللغة العربية المقروءة والمكتوبة والمسموعة في الإعلام التي يفترض أننا نتعلمها في المدارس.

من يطالع الصحف العربية الصادرة في بلاد المشرق والمغرب سيكتشف أن لدينا أكثر من لغة وأكثر من صياغة للكلمات، ويمكن لأي زائر ينتقل بين المطارات المختلفة في بلدان العالم العربي أن يعثر على الكثير من المفارقات المضحكة التي تدل على أن اللغة العربية التي أصبحت في الحقيقة، الأداة الثقافية الوحيدة التي تميز الانتماء العربي، لا تلقى الاعتراف بها سواء من جانب العرب العاربة أو المستعربة، فكلٌ يكتب على هواه، وينحت كلمات لا أصل لها ولا فصل، قد يكون بعضها صحيحا من الناحية اللغوية البحتة، لكنها في سياق استخدامها تبدو مضحكة.

قطاع كبير من العرب خاصة في المشرق العربي في الدول المعروفة بـ”سورية الكبرى” و”الهلال الخصيب”، أي الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق أيضا، يستخدم الجميع كلمة “البندقية” في وصف مدينة “فينيسيا” الشهيرة العائمة التي تعد إحدى عجائب العالم المعمارية والفنية.

ويعتقد الكثير من الشباب العرب أن لـ”البندقية” علاقة بالقوة أو بـ”التربص” لإطلاق النار من مكمن على كل من يقترب، والحقيقة غير ذلك بالطبع. والأصل أن أسماء الدول والمدن، بل الأشخاص أيضا، يجب أن تنطق كما ينطقها أصحابها.

و”فينيسيا” كلمة أصلها روماني، وينطقها الإيطاليون “فينيتسيا”، ولكن هناك اعتقاد لدى الكثير من الكتاب والصحافيين العرب الذين يعرفون “فينيسيا” جيدا، أن استخدام كلمة “البندقية” أكثر فصاحة، في حين أنها في الأصل كلمة مكونة من مقطعين أجنبيين لا علاقة لهما ببندقية الصيد ولا بندقية الحرب، ولا باللغة العربية أصلا.

هذان المقطعان هما “بونو دوتشيا” التي نطقها الفرنسيون “بون دوكي” ومعناها الدوقية الجميلة، وقد ضم العرب المقطعين معا لتصبح “بندوكية” أو ببساطة “البندقية”.

كان العرب يكتبون وينطقون حتى عهد قريب: لندرة، وباريز، والآستانة، ولكن أحدا لم يعد اليوم يستخدم هذه الكلمات، بل أصبحنا نتفق على أن نقول ونكتب: لندن، وباريس، واسطنبول.

والحقيقة أن الإنكليز تحديدا هم أكثر من أفسدوا ثقافات الشعوب الأخرى، فهم الذين قاموا بتعديلها وتحويرها وتغييرها على نحو غير مفهوم، خاصة أسماء المدن التاريخية القديمة في العالم التي تعتبر أقدم من لندن نفسها، فقد جعلوا دمشق “داماسكوس”، ودمياط “داميتا”، والقاهرة، “كايرو”، وجعلوا روما تصبح “روم”، وفينيسيا “فينيس”، وروسيا “راشا”، كما أصبح المغرب “موروكو” والجزائر “ألجيريا” وتونس “تونيسيا” ولم يبق شيء على حاله من بعد.

أما كلمة “تربص” التي استخدمتها أعلاه، فهي في اللغة من فعل تربّص، أي كمن شخص لشخص آخر يريد به شرا، بينما أصبحت في المغرب العربي مرادفا للتدريب، فالدورة التدريبية يطلقون عليها “دورة تربصيّة” أو تربّص فقط، والجزارة هي المجزرة، والخزانة التي ندفع فيها أثمان السلع أصبحت “قباضة”.

وفي الجزائر يطلقون على “ركن الهاتف” الموجود في الشارع “مخدع الهاتف”، وعلى الفندق “النزل” وهي كلمة عتيقة مهجورة، وفي المغرب يكتبون على اللوحة الخشبية الصغيرة التي تفصل بين السلع التي تريد أن تدفع ثمنها وسلع الشخص التالي “الزبون الموالي”، والمقصود “الزبون التالي”، كما يستخدمون في المطار “صالة الإركاب” بدلا من “الإقلاع” أو “السفر”، أما الصيدلية التي تعمل ليلا فهي “صيدلية الحراسة” ولا أحد يعرف ماذا تحرس بالضبط، وفي مصر يكتبون في الصحف والكتب كلمة “كوبري” التركية التي يتعتبرنها غير الجسر أو القنطرة!

في هذه البلاد طبقة من المثقفين يكتبون الشعر والقصة والرواية، أي يبدعون باستخدام اللغة العربية، لكن المؤسف أنه لا تأثير لهم ولا حيلة أمام ما يرتكب يوميا من جرائم لغوية.

ناقد سينمائي مصري

16