جرائم الميليشيات تقطع على العبادي طريق تجاوز إرث المالكي

الاثنين 2015/02/16
أسئلة العراقيين تكبر حول مدى قدرة العبادي على لجم الميليشيات

بغداد - معضلة تغوّل الميليشيات الشيعية تواجه رئيس الوزراء العراقي وتمنعه من تجسيد وعوده بتجاوز الإرث الطائفي لسلفه نوري المالكي، تحقيقا للمصالحة المنشودة الآن في العراق أكثر من أي وقت مضى بفعل صعوبة المرحلة وخطورتها.

علّقت كتل سياسية سنية عراقية، أمس، مشاركتها في أعمال البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية احتجاجا على قتل مسلحين ينتمون إلى ميليشيات شيعية زعيما عشائريا بارزا واختطاف ابن أخيه في حادثة مثّلت حلقة من سلسلة أطول من جرائم تلك الفصائل المسلحة التي ازدادت قوّة وتسليحا ونفوذا بفعل مشاركتها في الحرب على تنظيم داعش.

وجاء قرار تلك الكتل ليضع حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي أمام مسؤولياتها وليضاعف حرجها، وهي التي تشكّلت على أساس تحقيق المصالحة الوطنية وتجاوز الإرث الطائفي الذي خلّفته سابقتها برئاسة نوري المالكي.

وتتعالى التحذيرات من داخل العراق وخارجه من أن تغوّل الميليشيات بات يهدّد بشكل غير مسبوق ما بقي من وحدة النسيج الاجتماعي في العراق ويدفع شرائح من المجتمع إلى التفكير في حمل السلاح دفاعا عن نفسها في ظل عجز الحكومة عن حمايتها.

وكان مسلّحون يرتدون زيّا عسكريا أوقفوا، مساء الجمعة، موكب الشيخ قاسم سويدان الجنابي المكوّن من ثلاث سيارات، وبرفقته نجله وابن شقيقه النائب زيد الجنابي لدى مروره في جنوب بغداد، وبادروا إلى قتل الشيخ وابنه وأفراد حمايته، واختطاف ابن أخيه.

وفي وقت لاحق، أطلق المسلحون سراح النائب بعد ضربه، بينما عثر على جثث الشيخ ونجله وسبعة من أفراد حمايته، مصابة بطلقات نارية في إحدى مناطق شمال العاصمة. وقرّر 12 مسؤولا سُنيا في الدولة العراقية بينهم 8 وزراء من كتلتي اتحاد القوى الوطنية، أمس مقاطعة الحكومة والامتناع عن حضور الجلسات الرسمية لمجلس النواب ومجلس الوزراء واجتماعات رئاسة الجمهورية، مع إمهال رئيس الوزراء حيدر العبادي 4 أيام لتنفيذ مطالبهم.

كما قرّرت كتلتا اتحاد القوى العراقية وائتلاف الوطنية البرلمانيتين، في اجتماع لهما تشكيل لجنة للتفاوض مع رئيس الوزراء لبحث الجريمة وتداعياتها.

وقالت ناهدة الدايني، عضو اتحاد القوى الوطنية، إنّ وزراء اتحاد القوى العراقية وائتلاف الوطنية علّقوا حضورهم في اجتماعات مجلس الوزراء إلى جانب تعليق رئيس البرلمان سليم الجبوري ونائبي رئيس الجمهورية أسامة النجيفي وإياد علاوي، ونائب رئيس الوزراء صالح المطلك حضورهم أيضا في الاجتماعات الرسمية لمدة أربعة أيام.

ناهدة الدايني: الكتل السنية ستتخذ قرارات مهمة في حال لم تستجب الحكومة

وأضافت الدايني أنّ الوفد الذي تقرّر تشكيله من أربع شخصيات هم سليم الجبوري وأسامة النجيفي ومحمود المشهداني وصالح المطلك منح أربعة أيام لرئيس الوزراء حيدر العبادي للرد بجواب رسمي إلى كتلتي اتحاد القوى والوطنية بشأن موقف التحالف الوطني ورئيس الوزراء حيدر العبادي من مطالب الكتل السنية.

وبينت أنّ الغرض من المهلة الحصول على التزامات بشأن الوضع الأمني المتدهور في المدن التي يتم تحريرها من تنظيم داعش، لافتة إلى أنّ الكتل السنية ستتخذ قرارات كبيرة في حال لم تستجب الحكومة للمطالب التي وردت في ورقة الاتفاق السياسي.

والبرلماني الذي تم اختطافه زيد السويدان الجنابي ممثل لمحافظة بغداد نائب عن اتحاد القوى الذي هو أكبر ممثل للنواب السنة في البرلمان، فيما يضم تحالف الوطنية الذي يتزعمه إياد علاوي نوابا شيعة وسنة وليبراليين وشيوخ عشائر.

ومن جهته، تعهد حيدر العبادي رئيس الوزراء بالضرب بيد من حديد على كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن وحياة العراقيين، بحسب بيان صدر عن مكتبه. وأضاف البيان أن قوات الأمن ستعمل على اعتقال المتورطين باختطاف النائب السويدان وتقديمهم إلى القضاء. ودعا العبادي إلى ضرورة “التحلي بأعلى درجات المسؤولية وعدم الانجرار إلى ما يريده العدو”.

وجاء اغتيال الشيخ الجنابي وابنه وأفراد حراسته واختطاف ابن أخيه امتدادا لسلسلة من جرائم الميليشيات في العراق والتي توثّقها منظمات دولية، حيث رصدت منظمة هيومن رايتس ووتش تصاعدا في انتهاكات الميليشيات المتحالفة مع قوات الأمن العراقية في المناطق السنية في الشهور الأخيرة.

وأوضحت المنظمة، في تقرير نشرته أمس، أن الانتهاكات تشمل إجبار السكان على ترك منازلهم وخطفهم وإعدامهم ميدانيا في بعض الحالات. ولفت التقرير إلى فرار ما لا يقل عن ثلاثة آلاف شخص من منازلهم في منطقة المقدادية بمحافظة ديالى منذ يونيو الماضي وتم منعهم من قبل الميليشيات من العودة إلى ديارهم، مشيرا إلى ارتكاب قوات الحشد الشعبي مؤخرا مجزرة ذهب ضحيتها 72 مدنيا في بلدة بروانة بذات المحافظة.

وقال جو ستورك نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة، إنّ المدنيين العراقيين في المناطق التي تستعاد من يد داعش تقع بين مطرقة التنظيم وسندان الميليشيات الموالية للحكومة.

وتتعدّى جرائم الميليشيات في العراق مناطق الصراع ضد داعش، حيث سبق أن شهدت العاصمة بغداد بحدّ ذاتها منذ أشهر سلسلة من الاختطافات على أيدي مسلّحين شيعة استخدموا فيها سيارات دفع رباعي فخمة ثبتت ملكيتها من قبل قادة بارزين في الميليشيات الشيعية. كما شهدت محافظة البصرة سلسلة من اغتيالات لرجال دين وأئمة سنّة.

وتهدّد جرائم الميليشيات بشكل عاجل المجهود الحربي ضد تنظيم داعش وتضع رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي جاء حاملا لواء المصالحة الوطنية ومحو آثار السياسة الطائفية لسلفه نوري المالكي، في مأزق حيث أنّه يسعى لكسب السنّة وعشائرهم إلى جانب القوات الحكومية في مواجهة داعش، لكنه في المقابل لا يستطيع في الوقت الحالي التخلي عن الميليشيات الشيعية التي تلعب الدور الأكبر في مواجهة التنظيم نظرا إلى ضعف المؤسسة العسكرية وانهيارها المفاجئ صيف العام الماضي.

3