جرائم تصدم الشارع المصري.. آباء يقتلون أطفالهم "خشية إملاق"

خبراء يعتبرون أن الحل الأمثل لحماية الأطفال من عنف الآباء هو إسناد الوصاية عليهم إلى أشخاص موثوق بهم يتكفلون برعايتهم.
الجمعة 2018/08/31
أطفال في حاجة إلى الحماية

حتى وقت قريب كان البعض من الآباء في مصر يقتلون أطفالهم نتيجة القسوة المفرطة عند التربية، لكن الظاهرة الجديدة التي بدأت تزحف على المجتمع أصابته بصدمة أن القتل الأسري للأبناء أصبح يحدث بذريعة التخلص من الأعباء المادية، واعتقاد البعض من الآباء أنهم غير مستعدين للإنجاب وتحمل المسؤولية مبكرا.

 أقدم أب لطفلين في محافظة الدقهلية غرب القاهرة، قبل أيام قليلة، على إلقائهما في مياه النيل، وماتا غرقا، وبرر ذلك أمام تحقيقات النيابة العامة بأنه أراد الانتقام منهما بسبب إزعاجهما المادي له وشعوره بأنهما عبء عليه بعد خلافاته مع زوجته.

ولم تمر ساعات على الواقعة حتى أقدمت أم لطفلين في محافظة المنيا، جنوب مصر، على فعل الأمر ذاته، بإلقاء طفليها في مجرى مائي، غرق أحدهما، وأنقذ الأهالي الآخر، وقالت إنها قامت بذلك لكثرة المشكلات مع زوجها، وأرادت الانفصال عنه والتخلص من تربية الطفلين.

القاسم المشترك بين الواقعتين أن مبررات الأب والأم المتهمين بارتكاب الجريمتين، ارتبطت بأن تربية الأطفال أصبحت حملا ثقيلا على البعض من الآباء، عندما تتصاعد حدة الخلافات داخل الأسرة الواحدة، ويتنصل كل طرف من مسؤولية الصغار مستقبلا.

ويرى خبراء في علم الاجتماع أن القتل الأسري للأبناء انعكاس للجرائم المتكررة في المجتمع، حيث يتأثر البعض من الآباء بالواقع السلبي المحيط، وتغيب عنهم سمات الأبوة الرشيدة، وينتقل عنفهم نحو الحلقة الأضعف التي هي الأطفال، إذا شعروا بأن هؤلاء أحد الأسباب الرئيسية للتعاسة في الحياة.

ويقول أصحاب هذا الرأي إن التريث في الإنجاب لحين اختبار نجاح الزواج من عدمه، قد يجنب الأطفال التعرض للعنف أو القتل الأسري وإمكانية الانتقام منهم مستقبلا، على يد الأب أو الأم، لأن البعض يعتقد بعد فترة أنه تسرع في تحمل مسؤولية الأبناء.

وأكدت سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس في القاهرة، أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية على الوالدين تجعلهما يشعران بالندم على حمل لقب أب أو أم، وعلى أن يكونا مسؤولين عن الإنفاق والتربية وتقييد حرياتهما. ومن الآباء من يعتقد أن الأبناء فقط سبب عدم الانفصال، وهنا قد يقررون الانتقام منهم بقتلهم للتحرر من سجن الأسرة.

وأضافت لـ “العرب”، أنه في ظل التغيرات المجتمعية وانتشار معدلات العنف الأسري تجاه الأطفال، والتعامل معهم بامتعاض وأحيانا بكراهية، من الضروري أن يتريث حديثو الزواج في الإنجاب لتحديد ما إذا كان اختيار شريك الحياة متوافقا أم لا، لأن الأبناء وحدهم من يدفعون فاتورة الخلاف المستقبلي بين الآباء، وأحيانا يتم قتلهم.

وبرهنت خضر على ذلك بأن واقعة قتل أب لطفليه كانت بسبب خلافات مع الزوجة وشعوره بأن ابنيه أصبحا عبئا ماديا عليه، كما أنه إثر حادثة إلقاء الأم طفليها في المياه لقتلهما غرقا كان المبرر المعلن هو الانتقام من الأب بسبب كثرة الخلافات الزوجية، والشعور بأنها لن تستطيع وحدها تحمل تربيتهما والإنفاق عليهما.

ويخشى متابعون أن يتحول انتقام بعض الآباء من الأبناء إلى ظاهرة يصعب السيطرة عليها، في ظل التعامل الرسمي مع مثل هذه الحوادث بنوع من التجاهل، وعدم التوقف أمامها للبحث في أسبابها والوصول إلى حلول جذرية، ترتبط بتكثيف حملات التوعية الدينية والإعلامية والاجتماعية والأسرية للآباء.

 الضغوط النفسية والمادية مقبرة الروابط الأسرية
 الضغوط النفسية والمادية مقبرة الروابط الأسرية

ويعترف أكثر الآباء المتورطين في جرائم عنف ضد أطفالهم، بأن تعرضهم لعنف أسري خلال فترة المراهقة أحد دوافع الجريمة، وهذه الفئة تعتقد أن الانتقام من الأبناء جزء من رد اعتبارها على إهانتها عند الصغر، مثلما ذكر الأب المتهم بقتل طفليه غرقا. غير أن التفسير النفسي لجرائم قتل الأبناء يلقي بجزء من المسؤولية على انتشار العنف المجتمعي، في الشارع أو من خلال الأعمال الفنية التي تتناول قضايا العنف والبلطجة على أنها ظاهرة منتشرة في المجتمع، حتى أصبح الانتقام من الأشخاص بالقتل من الأمور العادية في الكثير من الأسر دون شعور المتهم بأنه ارتكب فعلا منحرفا.

ويشير متخصصون في الطب النفسي إلى أن غياب مشاعر الأبوة داخل بعض الأسر يرتبط بتراكم الأزمات والفشل في التوصل إلى حلول جذرية لها، وفي هذه الحالة تزداد معدلات الاكتئاب وعدم القدرة على الثبات الانفعالي، ويكون الانتقام من الطرف الضعيف داخل الأسرة حلا مثاليا لمواجهة الأزمات. وقال علي عبدالراضي، الباحث في علم النفس، لـ”العرب” هناك فئة من الآباء تعتقد أن تحمل مسؤولية الأبناء سريعا لا يحقق ذاتهم ولا يصل بهم إلى أهدافهم، وهؤلاء يشعرون بأنهم غير مستعدين للاستقرار العائلي، ما يجعلهم يتحولون إلى شخصيات محبطة من الحياة، ويعتمدون العنف في مواجهة الأعباء ويرتكبون جرائم تصل إلى حد قتل أقرب الناس إليهم.

وتابع “هناك قاعدة في علم النفس تتعلق بالاكتئاب العقلي عند البعض من الآباء، وفي هذه الحالة يشعر رب الأسرة بأن الأبناء مسؤولون عن كل أزمات حياته، وبأن الانتقام منهم بالعنف الجسدي وقسوة التربية وحرمانهم من كل متطلبات الحياة -وأحيانا قتلهم- قد يخرجه من دائرة الأزمات المتكررة”.

وأمام هذه المخاطر التي تحاك ضد الأطفال بسبب التوترات الأسرية، خرجت أصوات عدة تدعو إلى حتمية تدخل العائلات لنقل ولاية الأطفال إليها، بعيدا عن تركهم عرضة لمخاطر الخلافات بين الزوجين.

وقال أحمد مهران، المحامي والباحث القانوني في الشؤون الأسرية، إن “الحل الأمثل لحماية الصغار من بطش الآباء، انتقال الولاية عليهم إلى شخصيات موثوق بها، بعيدا عن النزاعات الحاصلة بين الزوجين، خاصة إذا كانا في مقتبل العمر ولا يدركان قيمة مسؤولية أن يكون لديهما أبناء يستحقون الرعاية”.

وأضاف لـ”العرب” أن القانون يعطي أقارب الطفل الحق في حضانته، إذا كان يتعرض لأذى داخل أسرته من والديه الحاضنين له، مثل تعاطيهما المخدرات أو الاعتداء عليه بالضرب أو إقامته داخل أسرة غير مستقرة ما يعرض حياته للخطر، وهنا يتوقف الأمر على تدخل عائلتي الزوجين لحماية الأطفال.

21