جرائم من نقص الحب

الأحد 2016/05/22

في أحدث إحصائية لمعدل الإجرام في اليابان، تبين أن أعلى نسبة لمرتكبي الجرائم هم من الكهول والعجائز الذين تتجاوز أعمارهم الستين سنة، وقد أدهشتني تلك الإحصائية وأشعرتني بالخجل حقا، لأنني أؤمن أن الكهولة هي عمر الحكمة والخبرة والحنان، أما أن يرتكب عجوز جريمة فهو مؤشر خطير ويدل على خلل كبير في بنية المجتمع.

لكن الدراسة الدقيقة بينت أن الجرائم التي يرتكبها العجائز في اليابان يعود معظمها لشعورهم العميق بالوحدة، وبأن لا أحد يهتم بهم، معظم هؤلاء العجائز هجرهم أولادهم، وما عادوا يزورونهم ويعطونهم جرعة من حبّ وحنان، ومعظمهم لم يجد مؤسسة ترعاه وتهتم به وهو في أرذل العمر، أحد هؤلاء وهو رجل تجاوز السبعين، قتل زوجته لأنها مصابة بمرض الزهايمر وهو عاجز عن العناية بها، وما من معين لهما.. طبعاً أنا لا أبرّر له جريمته، لكنها نتيجة إحساس عميق بالعجز والوحدة والخوف، إنه يحتاج لمن يرعاه، فكيف سيعتني بزوجته المريضة؟ إن الإنسان حين يصل إلى عمر الراحة ويتقاعد من عمله، وينتهي من مرحلة الأحلام الكبرى والطموح وتحقيق الأهداف والإنجازات في الحياة، فإنه لا يعود بحاجة سوى للحنان والحب والعطف.. ماذا يريد رجل في السبعين من عمره، أو امرأة في السبعين؟ سوى أن يهديها أولادها أو المقربون منها جزءا من وقتهم، فثمة مثل صيني يقول “إذا أحببتَ شخصاً فاهده وقتك”.

لقد تنبهت الحكومة اليابانية لخطر هذه الظاهرة، وسارعت لإيجاد حلول لها، وهي إيواء هؤلاء العجائز في منتجعات خاصة، والاهتمام بهم وتدريبهم على ممارسة هوايات وأنواع من الرياضة متناسبة مع أعمارهم، وإقامة حفلات موسيقية لهم، واصطحابهم في رحلات ترفيهية.

وأظن أن ظاهرة ارتفاع معدل الجريمة لدى العجائز ليست في اليابان وحدها، بل في العديد من البلدان، خاصة أن متوسّط عمر الإنسان في ازدياد، وفي المجتمعات الصناعية والمتطوّرة تشكل الوحدة أهم سماتها، وهؤلاء المتقاعدون، الكهول والعجائز، الذين تجف أرواحهم من الوحدة ومن قلة أو انعدام الإحساس بهم، يجدون أنفسهم منبوذين من الحياة ومن أولادهم الذين أفنوا حياتهم من أجلهم، يشعرون أن جيل الشباب يقول لهم “لقد انتهت صلاحيتكم وأصبحتم مثل الآلات المعطوبة وغير المفيدة”.

هذا الإحساس بالتخلي والنبذ وعدم تقدير رحلة الشقاء والكفاح من أجل الآخرين تجعل هؤلاء العجائز يشعرون بألم كبير، وإحساس بانعدام القيمة، فبدل أن تكون مكافأتهم في الحياة التقدير والحب والاهتمام والإحاطة بكل مظاهر الرعاية من قبل أولادهم أو أسرهم، يجدون أنفسهم منسيين ومُهانين بالنسيان، بل يشعرون أنهم صاروا عبئاً ثقيلاً على أولادهم ومعارفهم.. يتراكم الغضب والألم في نفوسهم، ويجدون أنفسهم ينفّسون عن ألمهم وإحساسهم بالنبذ بارتكاب الجريمة..

جرائم من نقص الحب، هذه هي السمة البارزة في عصرنا، عصر ثورة التكنولوجيا والاتصالات والاختراعات، وغزو الفضاء، عصر البريق والشهرة وإزالة المسافات والحواجز بين البلاد، وبين أقاصي الشرق والغرب.. لكن كل تلك الإنجازات والاختراعات والنجاحات لا قيمة لها في غياب الحب، حين يصير كل إنسان أشبه بجزيرة معزولة في محيط من صقيع الوحدة.

أيّ عار أن يجد إنسان عجوز نفسه وحيداً ومنبوذاً، لا أحد من أولاده ومعارفه يتذكره ويزوره ويهديه بعضاً من وقته؟! أهذه مكافأة رجل كافح وأعطى وضحّى من أجل أحبائه، أن يُلفظ ويموت روحياً بالنسيان، الموت الحقيقي هو النسيان، لعله يرتكب جريمة ليؤكد وجوده، وبأنه لا يزال حيّا، لعل الجريمة هي خياره الذي أجبر عليه، وزُجّ به فيه رغماً عنه، لأن روحه تجففت من الإهمال ونقص الحب.

ظاهرة تدعو للقلق حقاً وهي ارتفاع نسبة الجريمة عند العجائز، ظاهرة يجب أن تدفع ليس الحكومات وحدها، بل الأفراد لإعادة النظر بالمنظومة الأخلاقية والقيمية التي نتعامل بها.. وطرح السؤال الأهم: إلى أيّ مدى أنا أشعر بالآخر؟! وماذا أقدم له؟

المقدرة على الإحساس بالآخر، هو ما يميز البشر عن بعضهم البعض، وأنا مؤمنة أن حباً كبيراً قادرا وحده على استئصال بذور الشر الكامنة في النفوس.

كاتبة من سوريا

21