"جرافيت" رواية عن صراع الحداثة والرجعية في مصر

الأربعاء 2015/02/18
هشام الخشن يحكي الواقع المصري من خلال استعادة أحداث تاريخية متناقضة

إبّان تولّي جماعة الإخوان المسلمين زمام الحكم في مصر، فوجئ أهالي مدينة المنصورة في دلتا مصر، بإلباس بعض المجهولين تمثال سيدة الغناء العربي في المدينة نقابا، وهو الحدث الذي كان بمثابة رسالة -للأسف على مستوى سلبي- تبعث على القلق في بداية حكم الإخوان، خاصّة بعدما تمّ استحضار تجربة طالبان مع تماثيل بوذا في مدينة باميان بباكستان، ونسفهم لها بالديناميت. قد تبدو حادثة تمثال أم كلثوم تلخيصا لعلاقة جماعة الإخوان بالحداثة وموقفها مِن الفن بصفة عامة.

يلتقط الكاتب المصري هشام الخشن في «جرافيت» الصّادرة عن الدار العربية للكتاب بالقاهرة (القائمة الطويلة للبوكر 2015)، جوهر الصّراع الذي نَشَأَ مع بداية حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر بين الرجعية التي يثيرونها والحداثة، ويقدّم مروية سردية يمتزج فيها التاريخيّ بالواقعيّ والخياليّ معا، في توليفة نادرة قلّما تجتمع في عمل سردي، حيث يعود إلى التاريخ ويتناول منه حدثين جوهريين؛ كلاهما يعود إلى عام 1928 وما يمثِّله من نقطة فارقة في الوجدان المصري، إذ في ذلك العام أسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين.

كما يستحضر من التاريخ ما يقابله في الأهمية، وإن كان يناقضه على مستوى الأيديولوجيا، قَرار وزارة المعارف المصرية آنذاك بإرسال اثنتي عشرة فتاة لاستكمال دراستهن في فرنسا وأنكلترا. وبهذا الاختيار الدقيق للحدثين المتناقضين يضع الكاتب المرأة في مواجهة الإخوان، ليخلصَ في النهاية إلى نتيجة صعبة، وهي أن المرأة استطاعت إلى حدّ ما تحرير نفسها من القيود المكَبّلَة لها.


ذاكرة التناقض


يتطرّق الكاتب إلى نشأة جماعة الإخوان المسلمين، وأيديولوجيتها المؤسّسة بل يفرّق بين المفاهيم حول جماعة الإخوان الحصافية الشاذلية، وجماعة الإخوان التي كان يرأسها البنّا، موضحا الأهداف التي نشأت من أجلها الجمعية، وصولا إلى تحوّلها إلى العنف والاغتيالات والتفجيرات وإقصاء مَن يخالفهم حتى ولو كان منهم -أحمد السكري نموذجا-، ساعيا إلى تفكيك مفاهيمها المؤسّسة، وكذلك مقوّضا وناقدا لأيديولوجيتها المتناقضة.

السارد يقدم مرثية لمصر الحاضر بما تعانيه من ركود وتناحر سياسي وفكري وجدب ثقافي وإقصاء

وعلى الجانب المقابل تتحدّث الرواية عن مشروع النهضة الذي سعت إليه الدولة بإرسال البعثات وهو ما أثمر عن دعوات تحرير المرأة، ونضالها من أجل الحصول على حريتها في الاختيار كما عبّرت درية شفيق، بموقفها أمام رئيس البعثة عندما أرادت أن تغيّر تخصّصها إلى الفلسفة، ثمّ إصرارها على تصعيد الموقف إلى طه حسين حتى أذعن لطلبها، وفي الانتخاب عند عودتها قادت المسيرة النسائيّة من قاعة إيوارت بالجامعة الأميركية إلى البرلمان لتدافع عن حقّ تمثيل المرأة في البرلمان.

ومع هذه الصّورة الإيجابية كانت هناك صورة المرأة السلبية التي كانت “بهيجة” ابنة عمّ نوال نموذجا واضحا لها، والتي استسلمت للزواج وتربية الأطفال وأن تكون ربة منزل، ذلك ما تكرّر -للأسف- مع نوال بعد عودتها، وهو ما يعدّ خذلانا لرهان أبيها عليها منذ أن تحدّى إرادة العائلة لاستكمال تعليمها في المدرسة الفرنسية، ثمّ دفعها عن طريق أصدقائه الأجانب في البورصة لتكونَ ضمن أعضاء البعثة، ومخالفته لرأي الأم الرافض لفكرة الذهاب، لكن لم تختلف عن بهيجة في شيء حين عادت، وهي التي درست في السوربون وتعرّفت على ثقافة مختلفة، وكانت متأثرة بشخصية صديقتها درية المتمرّدة، والتي من فرط إيمانها بأفعالها كرّرتها في بنتها وسمّتها درية، فتستسلم لرأي الجدة والعمّ وتتزوج من كامل ابن عمها المستهتر، وتهمل هوايتها الرّسم بعدما سخر منها وضربها، وتذعن لرفضهم العمل كمعلمة في المدرسة السنية، أو حتى كمعلّمة رسم في مدرسة التربيّة الفنيّة.

وكأنّ المؤلف يريد أن يصل إلى نتيجة مفادها، أنّ الفرق بين درية شفيق في تحرّرها وانطلاقها ونوال، ليس في توافر فرصة التحرّر (بالتعليم والسّفر)، وإنما يكمن في فروق البيئة والتربية التي مالت عند نوال إلى المحافظة.


خطابات داخل النص

الكتاب يمثل مروية سردية يمتزج فيها التاريخيّ بالواقعيّ والخياليّ معا


لا يستعيد الكاتب تاريخا مجرّدا مع أهمية أحداثه الماثلة في تأسيس الجماعة، ورحلة الفتيات للبعثة، وإنما يستعير عصرا مضى عليه أكثر من 86 عاما بكل حمولته الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة وأيضا بكلّ تناقضاته (المرأة وقضية الحرية ورفض الرجل لها).

وفي هذه الاستعادة تحضر صورة مصر التي كانت تماثل قطعة من أوروبا حيث الشوارع المنظّمَة والنظيفة والمباني الجميلة في المبتديان والفلكي والخازندار والعتبة، والمحلات الشهيرة التي كانت تزدان بها الشوارع كصدناوي وجروبي.

كما يستدعي تراثها الثقافيّ حيث أزياء الثلاثينات، الفساتين والقبعات للفتيات، والبدلة والطربوش للرّجال، وأيضا وسائل المواصلات والمفردات السّائدة آنذاك (الخوجة، ونينة، ومدموازيل، وأفندي، وبك)، وغيرها من تفاصيل ذاك العصر، وبهذه الاستعادة كأن السّارد يقدّم مرثية لمصر الحاضر بما تعانيه من ركود وتناحر سياسي وفكري وجدب ثقافي، وفوق هذا إقصاء للمخَالف والمـعارض في الرّأي وليس في العقيدة.

يقسّم الكاتب النّص إلى وحدات سردية أشبه باللوحات، تصل إلى ثلاثين لوحة سردية، يتناول في كل منها شخصية من الشخصيات أو حدثا من الأحداث التي يتشكّل منها النص.

كما يعتمد على تقنية قطع الحدث للتشويق، كل هذا يأتي عبر راوٍ غائب يعطي لنفسه -في بعض الأحيان- مساحة تسمح له بالوصف الخارجي، وفي أحيان أخرى يتماهى مع الشخصية، ليعبّر عن أيديولوجيته المـنحازة لتحرّر المرأة والرّافضة لفكر الجماعة ومواقفها. كما يميل السّرد إلى الوصف في كثير من المواضع، وأحيانا يعتمد على التوثيق كما هو ظاهر في الهوامش المتعدّدة.

تتضافر خطابات عدّة داخل النّص تسهم جميعها في تقديم صورة للواقع الذي ترصده الرواية منها خطاب الرّسائل الذي يشغل حيزا مهمّا بدءا برسالة التصدير من نوال لأبيها عن أحوالها في فرنسا، مرورا برسالة رحيل ديمتريا إلى أختها إيلينا، ثمّ رسالة الأب إلى نوال يخبرها فيها بانهيار البورصىة وأثر هذا على عمّها، وكذلك رسالة البوليس السياسيّ عن تهديدات الإخوان وإحداث الاضطرابات، وهناك أيضا مقتطف من مقالة حسن البنا عن صناعة الموت في مجلة النذير وتضمين لأغنية من أغاني أم كلثوم في فيلم فاطمة.

خطابات عدّة داخل النص تتضافر جميعها لتساهم في تقديم صورة للواقع الذي ترصده الرواية منها خطاب الرسائل

كل هذا التنوّع أكسب النصّ زخما إلى جانب التعددية التي فعلها النص بتعدّدية اللّغة والتعارض على مستوى الفكرة وأيضا على مستوى الشخصيات، والتي جاء بعضها بحضوره الواقعي كأحمد السكّري وحسن البنا ولبيبة أحمد أوّل رئيسة للأخوات المسلمات وابنتها الفنانة زينب عبده وهدى شعراوي ودرية شفيق.

الجدير بالذكر أن الكاتب هشام الخشن مهندس مدني دخل مجال السّرد متأخّرا، أصدر في فترة وجيزة ما يقرب من أربعة أعمال ما بين قصة ورواية مثل “حكايات مصرية جدا” 2010، ودويتو 2013، و”ما وراء الأبواب” و”7 أيام في التحرير” عام 2011 و"آدم المصري 2013"، وتكشف هذه الكتابة الغزيرة والمتدفقة عن موهبة مصقولة بوعي لآليات الكتابة وطرائق التشكيل، وكشفت كذلك عن خلفية ثقافية عريضة انعكست في الرّواية الأخيرة “جرافيت”، خاصة في مجال الفن والإلمام بمدارسه المختلفة.

15