"جراند أوتيل": معالجة ناجحة لجرائم مقتبسة من الأسبانية

رغم النجاح المحدود الذي تحظى به الدراما العربية المقتبسة من أعمال أجنبية، نجح السيناريست المصري تامر حبيب مؤلف مسلسل “جراند أوتيل” في كسر هذه القاعدة مرتين في عامين متتاليين، الأول من خلال مسلسل “طريقي” رمضان 2015، والثاني عبر مسلسل "جراند أوتيل" في رمضان الأخير.
الخميس 2016/08/18
شعور بفخامة الماضي

في رمضان الماضي قدم السيناريست المصري تامر حبيب المطربة شيرين عبدالوهاب في مسلسل “طريقي” المأخوذ عن نظيره الكولومبي “صوت الحرية”، حيث صوّر صراع الابنة التي تتمنى تحقيق حلمها في الغناء، والأم التي تضع كل العقبات أمام ابنتها لتعيق تحقيق هذا الحلم.

وفي رمضان الأخير وضع حبيب بصمته مجددا في إعادة المعالجة والرؤية الدرامية لمسلسل “جراند أوتيل” المأخوذ عن عمل أسباني يحمل نفس الاسم، ويقدم معالجة راقية لسلسلة من الجرائم التي تفشل الشرطة في حلها.

الخيط المشترك بين المسلسلين أنهما مقتبسان من دراما حقيقية وليس من أعمال أدبية مترجمة، كما أنهما تعريب لعملين أسباني وكولومبي، وهما دولتان لا تحظى الدراما فيهما بمتابعة كافية في الوطن العربي. أما العنصر الثالث فهو تقديم صور راقية عن أزمنة ماضية، نجحت في جذب الجمهور إليها، حبا واشتياقا أو مغامرة وإثارة.

مسلسل “طريقي” جرت أحداثه كما يفترض في حقبة الستينات من القرن الماضي التي لم يعشها أغلب المشاهدين الحاليين، بينما يأخذ مسلسل “جراند أوتيل” المشاهد إلى زمن “الهوانم والباشوات” الذين تقدمهم المسلسلات التلفزيونية دائما في شكل نمطي غير جذاب.

في هذا العمل الذي تصدر قائمة الأفضل والأعلى في نسب المشاهدة في رمضان الماضي، قدم السيناريست حبيب تعريبا لحقبة ما قبل ثورة يوليو 1952 في شكل عصري بما فيه من نمط الجريمة وما تحمله من غموض وإثارة، بالإضافة إلى إيقاع السرعة في الأحداث داخل الحلقة الواحدة.

ومن خلال عمال ونزلاء الفندق يصيغ الكاتب الكثير من الشخصيات المتشابكة التي تحمل وراءها ألغازا وأسرارا تتكشف الواحدة بعد الأخرى، ويتصاعد معها الحدث الدرامي.

أول هذه الشخصيات “قسمت” التي جسدت دورها الفنانة أنوشكا، صاحبة الفندق “الوهمية” التي تحاول الحفاظ على ملكيتها هي وعائلتها للفندق بأي وسيلة، رغم أن ملكيته الأساسية تعود لأحد العاملين به، وهي شخصية تمثل القوة في السيطرة على جميع الشخوص من حولها، سواء أفراد عائلتها أو العاملون بالفندق.

وداخل الفندق الكثير من الشخصيات التي منحت العمل قدرا كبيرا من التشويق، مثل “أمين” الذي يلعب دوره الفنان محمد ممدوح، ذو العينين الناعستين دائما دليلا على استسلامه، وخضوعه لتنفيذ الأوامر، والذي يجهل حقيقة امتلاكه للفندق.

مسلسل (طريقي) جرت أحداثه كما يفترض في حقبة الستينات من القرن الماضي التي لم يعشها أغلب المشاهدين الحاليين، بينما يأخذ مسلسل (جراند أوتيل) المشاهد إلى زمن “الهوانم والباشوات”

وهناك “سكينة” والدته التي جسدت دورها النجمة سوسن بدر، والتي تعمل كمشرفة للعاملات بالفندق، وتتمتع بشخصية صارمة وقيادية، تتحمل تعالي مالكة الفندق الوهمية عليها، وترسم دائما ملامح السعادة أمام العاملين معها بالفندق.

أما “علي” الذي جسد دوره الفنان عمرو يوسف والذي أتى بحثا عن شقيقته التي كانت تعمل في الفندق قبل اختفائها، فيضطر للعمل بالفندق، ويعيش الكثير من الأحداث من أجل محاولة فك لغز اختفاء شقيقته.

بخلاف هذه الشخصيات الرئيسية هناك نماذج وضعها تامر حبيب ليبرز من خلالها الصراع بين الطبقات الاجتماعية بين الفقر والأرستقراطية، بما فيها من علاقات حب وصراعات.

وتبرز في هذا العمل حالة خاصة تحاول أن تأخذ المشاهدين لعبق الزمن الماضي بسحره وهدوئه يتجلى في مشاهد نهر النيل، حيث تتنقل كادرات الصورة لتعطي الجمهور إحساسا ثلاثي الأبعاد لصورة الفندق الموجود بأسوان على نهر النيل، كما بالأحداث.

وتستكمل هذه الحالة بالإتقان الشديد في الديكور المستخدم والإكسسوارات وملابس الشخصيات، وتسريحات الشعر والماكياج من العاملين أو أصحاب الفندق، وكلها عكست الشعور بالفخامة والزمن القديم حتى في أبسط الأشياء.

المخرج محمد شاكر نجح في ترك بصمته في مثل هذا النوع من الأعمال، ويبدو أن التفاهم الذي نشأ بينه وبين السيناريست تامر حبيب في مسلسل “طريقي” شجعهما على العمل معا مجددا.

ولعب التصوير في هذا العمل أيضا دورا هاما وفعالا، بين مشاهد النهار التي تظهر صفاء الطبيعة وجمالها، والليل بما فيها من كادرات مظلمة وأخرى شديدة الظلمة تعبيرا عن أجواء الغموض التي تغلف الأجواء والشخوص داخل الغرف المظلمة.

وأكملت الموسيقى التصويرية الصورة الجاذبة للعمل، بين الإيقاعات الكلاسيكية الهادئة في المشاهد الرومانسية، أو تلك التي تتصاعد معها الأنفاس قبل وقوع حدث مثير، بالإضافة إلى الألحان التي حملت فخامة الماضي ضمن المشاهد الراقصة.

ومع عمل توافرت له كل عناصر النجاح، برز تفسير ثان لإقبال الجمهور عليه، وهو أن المشاهدين ملّوا من الحداثة التي طغت على الدراما في سنواتها الأخيرة، حيث العنف وما يصاحبه من مواد غير أخلاقية، وبات أكثر رغبة في العودة إلى الماضي.

16