جرجي زيدان سرد التاريخ

السبت 2016/04/23

لم يشبه أحدا ولا أحد يشبهه في السرد الروائي التاريخي ، بالرغم من التحفظات النقدية الكثيرة التي طالت كل روايات جرجي زيدان تقريبا، والمزاعم المتكررة حول قصديته في تشويه التاريخ الإسلامي برموزه الكثيرة، وهذا أمر لا نلتفت إليه بقدر ما نلتفت إلى علاقاتنا التاريخية بسردياته الإسلامية -وهو المسيحي- التي شكّلت ظاهرة روائية لا يمكن إغفالها في الأحوال كلها؛ فقد كان جرجي زيدان ظاهرة تاريخية نبشت في التاريخ الإسلامي كثيرا واستنطقت الماضي بطريقة فيها سلاسة الروي وبساطة التعبير، وهو أمر ربما انتبهنا إليه اليوم حول قصديته في تكريس بعض المفاهيم التي تتعارض مع القافلة السردية التاريخية في مساحتها الإسلامية الواسعة. فالقراءات القديمة تجعلك تصدّق كل ما تقرأه ولا سيما مَن كان على حرفية كتابية كجرجي زيدان الذي أخذ على عاتقه تثوير المجسات الحساسة لطفولات بدائية تستوعب كل ما تقرأ بعفويتها الأولى.

في مجمل رواياته بساطة وتسلية وحبكة تشبه الحبكة البوليسية، وأثر قصصي وشخصيات نعرفها إلى حدّ كبير، وتشويق سردي حافل بالإثارة، وهو أمر كان يستحثنا على المزيد من قراءته في زمن ثقافي قلّت فيه التآليف الروائية، ولم تكتسح موجات الحداثة سرديات الرواية ولا تعقيداتها الفنية بعد. لهذا كان البيت العربي يقتني هذه الروايات ليراجع الفترات التاريخية الإسلامية بعصورها المختلفة، كما لو يريد إعادة فحص تلك المنظومة التي يكتنفها الكثير من الغموض وسوء الظن أحيانا، والتباسات الكتابات التاريخية المتعددة من جهة أخرى.

أعتقد أن تأثيرات جرجي زيدان كانت بطريقته في صناعة الحبكة القصصية عبر شخصيات حقيقية في التراث العربي، ومن ثم صناعة الحدث التاريخي في زمنه الذي نعرفه لكن بطريقة جرجي- زيدانية التي فيها البساطة والتسلية والتنويع على مصادر التاريخ بطريقة فيلمية، كما في شجرة الدر واستبداد المماليك وغادة كربلاء وعروس فرغانة والحجاج بن يوسف الثقفي وصلاح الدين الأيوبي والعباسة أخت الرشيد والأمين والمأمون، بغض النظر عن احتمالات الدسّ في تشويه الوقائع التاريخية أو القفز على مسلّماتها، فقد كنّا في أول القراءات وليس مهما دائما أن تكون الحقيقة في هذا الكتاب أو ذاك مثلما هي أو محوّرة أو غير دقيقة، فدرجات الوعي واستقطاب المعلومات بغضاضة القراءات الأولى تتغير تدريجيا على وفق القراءات وانتقاءاتها لاحقا.

السرد التاريخي الذي يلجأ إليه جرجي زيدان سرد واقعي مضمون بواقعيته ووقائعياته المعروفة، ولا مجال للخيال فيه إلا خيال الكتابة واستنطاقها بتسلسل الحدث التاريخي، وهو ما يجعل من الواقع مادة دسمة لتنشيط الكتابة، في حالة يمكن أن تجعل من البدايات -الواقعية عادة- في الكتابة أمرا سلسا لا سيما وأن الجانب الفني في مثل كتابات زيدان يكاد يكون ضعيفا، وهو ما يشجّع على تبني طريقة كتابته، ولا أشك لحظة واحدة في أن رواياته لامست مواهبنا الأولى حينما نرى التاريخ يتحوّل إلى شريط فيلمي يمكن أن ترى من خلاله امرأة مهيبة كشجرة الدر أو رجلا صعبا كالحجاج أو ترى الحسين في مشهد قتله المروّع، أو تتلمس بوضوح فتوحات صلاح الدين الأيوبي بصليل سيفه، مثلما ترى تقلبات الزمان في مصر في عهدها المملوكي وبغداد في عهدها العباسي واحتدامات الأندلس بمتغيراتها الكبيرة…

جرجي زيدان من هذا الباب يكاد يكون الأسهل بين مجايليه في واقعية التاريخ وسرده، وهذا أمر جعلنا نقرأ جميع كتبه تقريبا، فقد كان يبذر البذور السينمائية بطريقته ويخلق المشاهد والصور في وقائع التاريخ المعروفة وغير المعروفة.

كاتب من العراق

15