جرحى 25 يناير.. من يتطوع بالهجوم على الثورة

الثلاثاء 2018/01/30

لكل نصر خاسرون لم يهزموا في المعركة، لأنهم لم يخوضوها، واحتفظوا بنظافة ثيابهم وتلوث ضمائرهم. هم مساكين يسوؤهم أن يعود حق إلى أصحابه، ليس تعاطفا مع الذين انتزع منهم هذا الحق، وإنما لخسارتهم البعض من فتات الموائد. وكانت ثورة 25 يناير كاشفة لهؤلاء الجرحى، وقد نفدت طاقتهم على كبت كراهيتهم للثورة، بعد أن صمت بعضهم ترقّبا لمشهد ما بعد خلع حسني مبارك، وهتف آخرون باسم الثورة مع فوزها بالجولة الأولى في موجة صاعدة حملت مبارك من منتجع شرم الشيخ إلى المحكمة مذعورا يرد “أفندم، موجود”، على قاض نطق اسمه مجردا من لقب “الرئيس”.

قدر الثورات الفاشلة، من ثورة أحمد عرابي عام 1881 إلى ثورة 25 يناير 2011، أن تُخترع اتهامات لرموزها. وكان حظ الأخيرة أفضل؛ ففي لحظة براءة ثورية قبل محاولات طمس ما له علاقة بيناير، كتب دستور 2014، وقد وثقت ديباجته تحت عنوان “هذا دستورنا” أن ثورة 25 يناير 2011-30 يونيو 2013 تمثيل “للإرادة الشعبية الجارفة”، وأنها “فريدة بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التي قدرت بالعشرات من الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مشرق، وبتجاوز الجماهير للطبقات والأيديولوجيات نحو آفاق وطنية وإنسانية أكثر رحابة”. أما عرابي الذي قاد أول ثورة دستورية في العالم العربي، ونادى بمراقبة البرلمان للحكومة، فلم تتح هذه العوامل، ولم يكن قد وضع دستورا يحفظ ذاكرة ثورته، وكانت خيانة الخديو توفيق أقوى من زعيم تخلى عنه الشعب الطيب، بعد فتوى السلطان العثماني، وصار عرابي “الكافر ابن الكافر، الباغي وأتباعه من المفسدين”، كما نص بيان العصيان.

ولكن دستورا معطلا لا يكفي وحده لصون ثورة تكاد تصبح ذكرى، أقرب إلى الاتهام، وتنهشها قوى مضادة للثورة، وتُطلق عليها ضواري السكك تطوعا أو بالأمر، فيصفونها بالنكسة والمؤامرة والخراب والفوضى، على الرغم من أن الثورة لم تنجح، ولم تحكم، ولم يُختبر رموزها الناجون من السجن في إدارة موقع سياسي، ولم تصدق إحدى قوتيْ الثورة المضادة منذ خلع مبارك إلى اليوم في إعلان الانتصار لشعار الثورة في يومها الأول “تغيير، حرية، عدالة اجتماعية”.

ينقسم هؤلاء الضواري إلى فريقين، أولهما يتفرغ لانتقاد 25 يناير، ويحملها أخطاء الآخرين (المجلس العسكري والإخوان وعبدالفتاح السيسي)، وثانيهما يجعل من 30 يونيو أول سطر في صفحة مصر الجديدة، ولا يعنيه منها إلا تخليص مصر من مرض اسمه تنظيم الإخوان، وكأن الحشود المليونية التي واجهت بصدور عارية العصا البوليسية لمبارك، في “جمعة الغضب”، أرادت إقصاء الإخوان، وإخلاء السفينة منهم، ثم تركها لمحدودي الكفاءة لكي يجنحوا بها إلى شاطئ حسني مبارك. وهناك فريق ثالث يتولى المهمتين معا، فيرى 25 يناير جحيما أنهاه نعيم 30 يونيو. وكان أعضاء الفريق الثالث نجوما في مرحلة بينية واكبت تراخي سطوة مبارك وصعود نفوذ ابنه جمال الذي ورث إعلاميين ومثقفين تغنوا بحكمته، وأنهت الثورة أحلامهم.

قلت قبل قليل إن فريقا يتطوع بالهجوم على الثورة، وقد جانبتني الدقة في هذا الوصف، أقصد التطوع لا الثورة؛ فالمماليك لا يجتهدون، وفي القبضة البوليسية كل شيء بمقدار، وكل خطوة تحسب بدقة، ويراعى ما سبقها وما يليها، ولك أن تراجع الاحتفالات الرسمية في يونيو 2017 بمرور أربع سنوات على 30 يونيو، وتخصيص برامج في الفضائيات وملاحق في الصحف، وتقارن ذلك التسونامي الإعلامي بالصمت الخجول الأسبوع الماضي، حيث حلت الذكرى السابعة لثورة 25 يناير، وأنصارها في المؤسسات الإعلامية مهمشون ينظر إليهم بريبة، ووجودهم الصامت مصدر إزعاج يقلق من لا يطمئن إلى جدارته أو شرعيته، ولكن 25 يناير لن تؤول إلى مصير ثورة عرابي؛ فهي حاضرة بإلحاح، وشهودها واثقون بامتلاكهم من قوة الحق ما يفتقر إليه صاحب قوة النفوذ، ولا يكتفون من الثورة بتغيير اسم محطة في مترو الأنفاق، كان اسمها “مبارك”، ومنحتها الثورة اسم “الشهداء”، ثم لا شيء آخر.

استنادا إلى ديباجة دستور 2014، فإن 25 يناير جذر شرعية عرشها محمول على الفرع المسمى 30 يونيو. ويخطئ من يطمئن إلى ثبات الفرع في حين تتداعى الضواري، وتُدعى بالأمر، إلى نحر الجذر، وتشويهه في ذاكرة الشعب، وكنت شاهدا على واقعة دالة.

ففي مساء الأربعاء 25 يناير 2017، استضافتني الفضائية المصرية الأولى، مع أستاذ العلوم السياسية البرلماني السابق جمال زهران. في العادة أخشى الكاميرا والميكروفون، وإذا تجرأت فلا أتحمس لقناة حكومية لا أمان فيها لعبث المرتعشين في المونتاج، ولكنني قدّرتُ أن فراغا ما يجب ألا يترك، وتشجعت بإذاعة البرنامج ومدته 45 دقيقة على الهواء مباشرة، ولكن كلينا تكلم بضع دقائق، واختصروا البرنامج كما اُختصر عمر الثورة في ذكريات 18 يوما. قلت باختصار: هذه ذكرى ست سنين “من” الثورة، وليس “على” الثورة، وفرقت بين الحالة الثانية التي توهم بأن الثورة كانت نزهة عابرة وانتهت، أما الحالة الأولى فتؤكد أن الثورة لم تحقق أهدافها، وأن الشهداء لو عادوا ورأوا ملوك الفضاء العام في الحكم والاقتصاد والصحافة والثقافة سيتأكد لهم أن مبارك سيطر على “المظاهرات”، وطالبت بفتح ملفات “ألغاز” 25 يناير.

أولا: لماذا استمر حريق مقر الحزب الوطني الحاكم أكثر من 24 ساعة، وبعض الغرف اشتعلت فيها النيران نحو 36 ساعة؟ وذكّرت بحريق مجلس الشورى عام 2008، وإسراع المروحيات لغرف المياه من نهر النيل لإطفاء النيران، فلفائدة من تمحى ملفات قضايا ووثائق إلى الأبد؟

ثانيا: أين انتهت التحقيقات الخاصة بسيارة دبلوماسية بيضاء دهست المتظاهرين؟ ومن يأتي بحقوق نحو 550 شهيدا في جمعة الغضب أغلبهم استشهد في وسط البلد الخالي من مراكز للشرطة؟

ثالثا: كان يمكن لقوات الجيش في موقعة الجمل، أن تمنع إراقة الدماء، فلماذا لم تتحرك دبابة إلى حدود المتحف المصري من ناحية ميدان عبدالمنعم رياض؟ ويبدو أنني تكلمت بما لا يرضي الأخ الأكبر في غرفة التحكم، فتدخل المذيع، وأنهى الحلقة بعد بدايتها بعشر دقائق، وكل ثورة وأنتم بخير.

روائي مصري

9