جرح طائفي في خاصرة الرياضة المصرية

نزعات التفرقة والتمييز لا يكاد يخلو منها مجتمع في السنوات الأخيرة، وتتجلى واضحة في الميادين الرياضية.
الثلاثاء 2018/05/22
فوتبول داخل أسوار الكنيسة

الإسكندرية (مصر) - يتجمّع عدد من الشباب الأقباط في الإسكندرية، بأعمار تتراوح بين 15 و27 عاما على ملعب عشبي أخضر صغير في إحدى حارات المدينة الساحلية لأداء تدريب كرة القدم تحت أعين مينا بنداري، صاحب الـ22 ربيعا والذي يصف نفسه بـ“أصغر مدرب كرة قدم في مصر”.

بنداري تخلى عن حلمه بأن يصبح لاعبا محترفا في كرة القدم في مصر بعدما طلب منه أن يلعب باسم بديل لا يظهر ديانته، وقرر توجيه طاقاته نحو تأسيس أكاديمية مهمتها الدفاع عن حقوق المسيحيين في ممارسة اللعبة الشعبية الأولى في البلاد.

أطلق المدرب القبطي الشاب على مبادرته اسم “جي سوي” وتعني “أنا أكون” باللغة الفرنسية، وذلك في إشارة إلى فكرة الإصرار على تحقيق ما يسعى ويطمح إليه الشاب القبطي، مهما كانت العراقيل داخل مجتمع مازال يعاني من التمييز الديني في بعض مؤسساته الرياضية وغيرها.

ويقول بنداري إن الفكرة جاءت “بعد تعرضي شخصيا لمشكلة، إذ كنت ألعب في نادي كرة قدم في الإسكندرية (رفض تسميته)، وطُلب مني أن ألعب باسم آخر أي باسم مسلم، وبصريح العبارة”.

ويتابع مينا بنداري “تكرّر الأمر مع أكثر من ناد، ما دفعني إلى أن أتوقف عن اللعب وأن أركز على حل مشكلة المسيحيين في كرة القدم على مستوى مصر”، مشيرا إلى أن الأكاديمية ستكمل في يونيو القادم سنتها الثالثة. ويوضح أن هذه المبادرة تقدم حلاّ للمسيحيين الذين “يتم رفضهم من فرق يتقدمون إليها بمجرد أن ينطقوا بأسمائهم، بغض النظر عن مستواهم في اللعب”.

هذه التمييز الديني في الفرق الرياضية، وهذه التفرقة التي يمكن أن تترك آثارا نفسية بالغة، تعرض إليها شبان أقباط على غرار مينا سمير (17 عاما) الشهير بـ“كريستيانو” والذي يلعب في مركز خط المنتصف الدفاعي ضمن الفريق الذي يدربه بنداري.

ويقول سمير، إنه قام بأداء اختبارات في ناد معروف (لم يذكر اسمه)، ويضيف “وبعدما تم اختياري في التصفيات، سألني المدرب عن اسمي، فقلت له: مينا، فردّ وقد فقد حماسته: سوف نقوم بالاتصال بك لاحقا.. ولم يتصلوا”.

ويتابع سمير الذي لا يزال طالبا في المدرسة بأن أهله، وعندما علموا بأن هناك “مشكلة”، نصحوه بالتركيز على دروسه وأن “الكرة ليست لنا ومن الأفضل أن تركّز على مذاكرتك”.

أما مدربه بنداري، فيضيف وهو يربّت على كتف لاعبه الشاب “نطلق عليه اسم كريستيانو، لأنه يشبه نجم الكرة العالمي كريستيانو رونالدو، ويقلّد جميع حركاته.. ومع ذلك تم رفضه في أكثر من ناد لأن اسمه مينا”.

ويرتدي اللاعبون قمصانا زرقاء عليها شعار يتضمن كرة قدم مع تاج يحمل رمز الصليب. ويتحركون بحماس شديد تحت أشعة شمس الظهيرة الحارقة، على أرض الملعب، مسدّدين الركلات باتجاه المرمى.

يذكر أنه يندر وجود لاعبي كرة قدم أقباط معروفين في صفوف الفرق المحلية أو المنتخب الوطني المصري. ويكاد اللاعب هاني رمزي، يكون اللاعب القبطي الوحيد المعروف لدى المصريين، وكان حمل شارة قائد المنتخب المصري أواخر التسعينات، واحترف في الخارج.

“المؤسسات الرياضية المصرية ـ وكذلك الملاعب والجمهور العريض ـ لا تخلو من عنصرية شنيعة”، هذا ما قاله وأقر به اللاعب المصري الشهير أحمد حسام، الشهير بـ“ميدو” ضمن برنامج تلفزيوني محلي في أبريل الماضي، منددا بتعليقات عنصرية وردت على وسائل اتصال، وذلك بعد نشر اللاعب المصري المحترف في نادي فانكوفر في الدوري الأميركي علي غزال، والمتزوج من هولندية، صورة له مع ابنته في عيد ميلادها الأول. وركزت التعليقات على اختلاف لون بشرته السمراء مع بشرتها البيضاء.

وقال ميدو الذي احترف ولعب في أندية كبيرة ضمن الدوري الإنكليزي “هل يعقل في تاريخ كرة القدم المصرية أن يكون هناك خمسة لاعبين مسيحيين فقط يلعبون في المستوى الأول؟”.

وأضاف “هناك لاعبون مسيحيون يتوقفون عن اللعب في عمر صغير بسبب عنصرية بعض المدربين”، داعيا إلى مواجهة هذه الظاهرة بالتوعية والتثقيف.

ويقدر عدد الأقباط في مصر بحوالي 10 بالمئة من 96 مليون مصري، وهم لا يصلون بسهولة إلى مناصب إدارية عليا، وقد تعرضوا خلال السنوات الماضية لسلسلة اعتداءات دامية.

مبادرة تقدم حلاّ للمسيحيين الذين “يتم رفضهم من فرق كرة قدم يتقدمون إليها بمجرد أن ينطقوا بأسمائهم بغض النظر عن مستواهم في اللعب.

ويحاول البعض التصدي للظاهرة في مجال كرة القدم، مثل محمد خليفة، مدرب فريق “كهرباء” شمال القاهرة، الذي يستعين في فريقه بثلاثة لاعبين مسيحيين أساسيين في الملعب لأن لديهم الموهبة.

ويضيف خليفة، الذي حصد فريقه لقب دوري منطقة القاهرة للناشئين هذا الموسم، “نعم هناك بعض الممارسات العنصرية ولكنها ليست نابعة من اختلاف ديني، وإنما من عدم فهم أو تقبل للآخر”.

ويؤكد عضو مجلس إدارة اتحاد كرة القدم المصري مجدي عبدالغني، أن لا صحة لوجود ممارسة عنصرية ضد المسيحيين في كرة القدم، معتبرا أن ما قاله ميدو، يعبّر عن وجهة نظره الشخصية. ويقول “أول شيء نتعلمه في أي اتحاد.. لا للعنصرية”.

وفي الملعب، يقول اللاعب مينا شكري إسماعيل (27 عاما) الذي يعمل صيدلانيا، ويبدو أكبر سنا من اللاعبين الآخرين بلحيته السوداء المشذبة، “أنا تربيت وسط مسلمين وكان بيتنا البيت الوحيد المسيحي وكان محبوبا جدا.. كلنا في الأول وفي الآخر مصريون”، مضيفا “لكن لا أستطيع أن أفهم لماذا التعصب في الكرة؟”.

ويقول بنداري، إنه يسعى إلى تأسيس ناد يشارك في الدرجة الرابعة في الدوري المصري ويحمل اسم الأكاديمية، مشيرا إلى وجود لاعبين مسلمين في الأكاديمية، فـالأمر لا يتعلق بموضوع فتنة وإنما برفض العنصرية.

العنصرية والطائفية ومختلف باقي نزعات التفرقة والتمييز، لا يكاد يخلو منها مجتمع في السنوات الأخيرة، وتتجلى واضحة في الميادين الرياضية، وفي كرة القدم على وجه الدقة، نظرا لجماهيرية هذه اللعبة في مختلف أنحاء العالم.

مصر التي وقع التركيز عليها في وجود ظاهرة التمييز الطائفي والعنصري، ليست في وضـع محرج أكثر من غيرها في ما يخص الطائفية الرياضية، بل على العكس، إذ يعـرف المجتمع المصري بتسامحـه وطيبتـه، لكن جماعات الإسلام السياسي تفعل فعلها هذه الأيام، وتحـاول زرع الفتنـة بين المسلمين والأقبـاط بقصـد عـرقلـة الخيار الـذي اتخـذته السلطـات بتجفيـف منابع التطرف والإرهاب.

12