جرعة اكتئاب

السبت 2016/11/12

أكثر ما كان يزعجني في برامج عالم الحيوان، مشهد الأفاعي وهي تباشر افتراس ضحيتها التي تتفوق عليها في الحجم أحيانا، ضحيتها الحيوان البريء الذي يختفي تدريجيا مع نهاية مراحل الصراع المحسوم مسبقا، وأجزاؤه التي تنصهر داخل متاهات جسدها الطويل المقوس، ثم نظراتها المخيفة وهي تهديها إلى الكاميرا، وكأنها تعلم بأننا نجلس في مكان ما ونتابع التفاصيل المزعجة بمشاعر هزيمة واستسلام يشبه كثيرا استسلام ضحيتها.

كل هذه التفاصيل كانت تثير غثياني، لكن خيارات المشاهدة لم تكن كثيرة في الأيام التي سبقت الانفجار التقني وظهور المئات من القنوات الفضائية، لذلك، كانت معاودة متابعة مثل هذه البرامج المرعبة في حينها، أفضل بكثير من الاستسلام لقناة التلفزيون الرسمي ومتابعة أخبار الحرب والموت الذي كان يبتلع ضحاياه مثل أفعى كبيرة برؤوس متعددة، وبعد أن ينتهي يهدينا نظراته المخيفة وكأنه يقول “هل من مزيد؟”.

أحيانا تمر عليّ صور لأفاع وثعابين مصادفة وأنا أتصفح الأخبار في الصحف أو مواقع الإنترنت، لكني أتمكن من الهروب في اللحظة المناسبة قبل أن توجه إليّ الأفعى نظرتها القديمة التي أعرفها. لكني بالأمس تطلعت إلى صورها بإصرار غريب، وأنا أتابع خبرا منشورا في إحدى الصحف البريطانية وكان يقول “بعد أن جوّعت ثعابينها الأليفة لستة أشهر حتى الموت، السلطات تحظر على أمّ لثلاثة أبناء اقتناء أي حيوانات أليفة في منزلها!”.

وكانت السيدة عديمة الرحمة، احتفظت بالثعابين الرقيقة في خزانة قذرة ممتلئة بسائل أصفر كريه ودون تدفئة، في واحدة من “أبشع صور الإهمال التي رأيتها في حياتي”، بحسب تعريف أحد المحققين الذين داهموا منزل (المتهمة) اعتمادا على بلاغ من فاعل خير! واعترفت السيدة متحجرة القلب بأنها قد تسببت في معاناة لا داعي لها لحيوانات وديعة لم تسئ إليها يوما، وتلقت برحابة صدر عقوبات صدرت عن محكمة محلية منها غرامة بلغت حوالي 1000 دولار، إضافة إلى حرمانها مدى الحياة من حيازة أي حيوان أليف في منزلها، حتى لو كان فأرا بحجم كف اليد.

أما الثعابين المغدورة فقد توفي بعضها متأثرا بمعاناته بقسوة طويلة الأمد بينما نقل الناجون إلى مركز للعناية الطبية للسهر على راحتهم ومعالجة جروحهم النفسية، ومع ذلك فإن أحد الثعابين بدا وكأنه في سبات عميق وهو يرفض أن يبتلع الطعام، الأمر الذي دعا الطبيب المعالج إلى الاعتقاد بأن المخلوق المسكين ربما يكون مصابا بالاكتئاب، في حين أن محامي المتهمة ادعى أيضا بإصابتها بالاكتئاب وهو الذي حال بينها وبين رعاية الثعابين.

أتمنى أن تكون هذه مزحة، لكنها مزحة ثقيلة مثيرة للاشمئزاز، ذكرتني بقصة الصورة التي صفعتني قبل شهور وكان بطلها طفل كان ملقى على قارعة الطريق ويغفو بأعجوبة داخل ملابسه المبتلة في شتاء حديقة بغدادية قاسية، عرضة لنظرات الفضوليين. إضافة إلى صور أخرى كثيرة أهدتها إلينا مخيمات النازحين في العراق وسوريا، أطفال بأجساد نحيلة ونظرات مصابة بجوع مزمن.

“لا يتوجب أن يعامل أي كائن حي هذه المعاملة وأن يعاني بهذه الصورة غير المبررة”، كان هذا تصريح الطبيب البيطري الذي تابع حالة الثعابين المغدورة. لكن يبدو أن المحكمة عانت كثيرا قبل أن توجه حكما ظالما يبخس حق أحد الطرفين، لأنه لم يكن واضحا ما إذا كان الاكتئاب قد أصاب الثعابين أم السيدة المتهمة؟ لا هذا ولا ذاك، الاكتئاب كان من نصيبي أنا.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21