جرعة الترفيه انتهى وقتها.. الإعلام المصري يرفع صوت النقد

الجمهور لن يقبل أن يتحول هامش الحرية المتاح إلى خدمة أغراض الحكومة وكفى.
الأربعاء 2019/10/02
الحياة تدب مجددا في الإعلام المصري

بدأ الاهتمام بالملفات السياسية يعود إلى الإعلام المصري وتدب فيه الحياة مؤخرا بعد أن استوعبت الحكومة الدرس، وشهدت هجرة الجمهور إلى وسائل إعلام معارضة، فبدأت تستعين بعدد من الشخصيات جرت تنحيتهم سابقا وأعادتهم إلى المشهد الإعلامي.

زادت المطالب للإعلام المصري ليساير الثورة التكنولوجية ويلبي مطالب جمهور يتطلّع إلى رؤى سياسية خارج الصندوق. وإذا كانت الثورة الرقمية بدأت تزحف على الكثير من وسائل الإعلام قسرا، فإن دخول أصوات مختلفة قد يتم رضائيا أو قسريا، أو الاثنين معا، اتساقا مع إدراك الحكومة المتنامي لضرورة توسيع الحريات، والحد من عزوف الجمهور عن الإعلام الرسمي والخاص، وجريه وراء فضائيات أخرى، حتى لو كانت معادية.

ظهرت بدايات لوم وانتقاد لبعض التصورات والتصرفات الحكومية في مجالات عديدة، اعتبرها الجمهور إشارة على اقتراب موعد التخلي عن سياسات قديمة لعبت دورا في تضييق مساحة الحريات، وأصابت الفضاء العام بالخرس تقريبا، وكان الإعلام أول ضحايا هذا التوجه، حيث فقد مصداقيته أمام مؤيدي الحكومة قبل معارضيها.

وطلّت على الشاشات المصرية وجوه عديدة، الأيام الماضية، أغلبها يدور في فلك النظام بدرجات متفاوتة، غير أن ما يدفع للتوقف عنده هو رفض الكثير من هذه الشخصيات للممارسات الرسمية حاليا ودون عبارات التفافية، ما يشير إلى أن ثمة خطوة نحو التغيير، فسرها متابعون أن صدمة التظاهرات المحدودة والحديث المتواتر حولها والتقديرات المتباينة خلال الأسبوعين الماضيين أحدثت صدى إيجابيا في أروقة حكومية لها نفوذ على الإعلام. وتخشى بعض الدوائر من زيادة جرعة الانفتاح وفهمها على أنها استجابة لضغوط خارجية، أو رد فعل لتظاهرات أخفقت وسائل إعلام محلية في التعامل معها بطريقتها التقليدية، ومرجح أن يكون هذا التوجه بطيئا، أو يدور في فلك خدمة أغراض الحكومة ضمن سعيها إلى إدخال إصلاحات إعلامية تخدم أهدافها، وتتحول إلى أداة من أدواتها السياسية.

وكما كان التضييق عميقا وينطوي على أهداف محددة، فإن الانفتاح قد يكون محسوبا بدقة، ويشمل الآن طبقة إعلامية معينة مضمونة لا خوف أو شرود من أفكارها ما يقلل من التحرك الذي تعتزم الحكومة توسيع أطره لاحقا، وربما يمنع تفاعل الجمهور معه، ويحصر الهدف في نطاق التنفيس المؤقت وليس الحرية الإعلامية الكاملة.

الحكومة منت على الجمهور بجرعة من الحرية، لأنها تتواءم مع تطلعاتها في هذه المرحلة كأداة تخفف من حجم الاحتقان

تعامل الحكومة المصرية في مجال الإعلام (والأمن والسياسة والاقتصاد)، يبدو مستوعبا للدروس التي مرت بها حكومات ما قبل ثورة 25 يناير 2011، حتى تتجنب مصيرا شبيها. الأمر الذي ظهرت ملامحه في إدارة الإعلام، الذي كان رأس الحربة في الثورة، ومهّد لها تدريجيا، وعجزت وزارة الإعلام وقتها عن فرض هيمنتها، ما ساعد على تسلل الكثير من الشخصيات والقوى المعارضة إلى منابر متعددة.

كشفت ثورة يناير عن غزارة في ظاهرة الناشطين السياسيين، لم تكن معروفة في مصر حيث كانت السياسة عملا ترفيهيا أو إضافيا، ووصل هؤلاء إلى نوافذ الإعلام، ومنهم من جلس- جلست على مقعد المذيع. ووفرت هذه المسألة زخما وصل حد الانفلات، لم تعرفه البلاد من قبل، لكن من نتائجه مساهمته القوية في الحشد ضد جماعة الإخوان حتى سقطت من على كرسي السلطة، بفعل ديناميكيات ثورة 30 يونيو 2013.

تحتاج قصة الإعلام في هذه الفترة (بين الثورتين) مساحة كبيرة للحديث عنها، غير أنها كانت المدخل لتقويض هامش الحرية لاحقا. فوسائل الإعلام لعبت دورا رئيسيا في عزل رئيسين في مصر، حسني مبارك ومحمد مرسي. ومن الطبيعي أن يتحسب من يأتي بعدهما من هذه الأدوات، ويحاول تدجينها بل والسيطرة عليها، لما تقوم به من دور خطير، يختلط فيه أحيانا الحابل بالنابل.

حققت هذه السياسة غرضها لمن تبنوها في مرحلة معينة كانت فيها مصر تموج بحالة عدم استقرار، وصلت لدرجة الانفلات، وتريد أجهزة الدولة التفرغ آنذاك لمواجهة الإرهاب والجماعات المتطرفة وتفريغ حيل جماعة الإخوان من محتواها للعودة إلى السلطة، من دون ضجيج يزعجها (السلطة) أو أصوات تطرح أسئلة من الصعوبة تقديم إجابات عليها.

لجأ الإعلام إلى زيادة جرعة الترفيه، واستعان بكثير من الفنانين والفنانات في تقديم البرامج لجذب وإلهاء المشاهدين، وطغت النوستالجيا (الحنين إلى الماضي) على الصحافة الورقية  والإلكترونية، وبدا كل ذلك بعيدا عن الواقع وهموم الناس الحياتية وتطورات الصراعات والنزاعات من حولنا، بل تجاهل الإعلام الاقتراب من قضايا عربية مركزية للأمن القومي، حدثت ولم يعرف عنها الجمهور المصري الكثير.

عندما زادت جرعات الترفيه، وتحولت برامج “توك شو” الليلية إلى سهرات للتسلية، انصرفت شريحة واسعة من المصريين. وعندما بدأ الاهتمام بالملفات السياسية يعود للإعلام المصري وتدب فيه الحياة مؤخرا جذب فئة من هؤلاء إليه، وجدت طعما للمشاهدة في بعض القنوات، وطعما للكلام في صحف محدودة. وهي رسالة قد تكون الحكومة استوعبتها، وبدأت تستعين بأشخاص جرت تنحيتهم من قبل. بعضهم عاد يمارس هوايته في انتقاد جماعة الإخوان، وبعضهم بدأ يمارس دوره في انتقاد سياسات الحكومة.

وجاءت النتيجة النهائية مشجعة لمزيد من الحرية. ولم يصدق المصريون أن يطل عليهم الإعلامي محمد علي خير عبر قناة “القاهرة والناس” بجرعة ساخنة من الانتقادات الموجهة للحكومة وأجهزتها. وبعضهم اعتقد أنه يشاهد محطة معارضة تبث إرسالها من قطر أو تركيا.

وتحولت الومضة إلى صدمة بعد أن ظهر معه ياسر رزق رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم الصحافية، والقريب من النظام الحاكم، وهو يدلي بدلوه في بعض القضايا، ومؤمّنا على معظم الانتقادات القوية التي وجهها خير.

ارتاح البعض في مصر لمقدمات الانفتاح، واعتبروها بداية مبشرة للحصول على المزيد. غير أن فريقا ثانيا استقبل ذلك بتحفظ، لأن ما تم تقديمه على أنه ارتفاع في سقف الحريات أخذ طابعا شعبويا، بمعنى يصب داخل حصّالة (صندوق) الحكومة التي تخوض معركة مع المعارضة أحد أسلحتها المهمة هو الإعلام.

منّت الحكومة على الجمهور بهذه الجرعة من الحرية، لأنها تتواءم مع تطلعاتها في هذه المرحلة كأداة تخفف من حجم الاحتقان، وتسحب ورقة من أيدي المعارضة حاولت تسويقها لدى جهات غربية ترى أن الحريات السياسية والإعلامية لا تزال مريضة في مصر.

تطلب علاج المرض، من وجهة نظر البعض من المراقبين، القيام بعملية جراحية بسيطة أشبه بفتح ورم صغير في جسد مريض كي يزول الألم الشديد ليلتقط أنفاسه. لكن الفريق الآخر يرى أن هناك عمليات أخرى لإزالة أورام كبيرة وصغيرة في حقل الإعلام، لأن الجمهور العريض لن يقبل أن يتحول الهامش المتاح لخدمة أغراض الحكومة  وكفى.

وإذا لم يجد الاستجابة المرجوة يعلم أن أمامه وسائل إعلام سيجد فيها الغث والسمين، وينصرف عن الوجبات غير الشهية التي تقدمها له الحكومة. لذلك عليها أن تقنع الجمهور العريض أن إعلامه سيتعافي قريبا قبل أن يغادره من توسموا خيرا.

18