جرعة السكر تحدد ما إذا كانت نعمة أم نقمة

الأشخاص الذين يستهلكون 25 في المئة أو أكثر يوميا من السعرات الحرارية في صورة سكر مضاف إلى الأطعمة أو المشروبات، هم أكثر عرضة للوفاة الناتجة عن مرض القلب.
الأربعاء 2019/05/22
كثرة السكر والخمول يزيدان الترسبات في الأوعية الدموية
 

لا ينتبه الكثير من الناس إلى حجم السكر الذي يتناولونه يوميا، ويعتقدون أنهم يتحكمون في جرعة السكر بمجرد التقليل من الأطعمة أو المشروبات المحلاة. لكن الحقيقة أكثر تعقيدا من ذلك، فالسكر يختبئ في أشكال أخرى لا تخطر على بال أحد، مثل صلصات كل من السلطة والشواء، ويدخل في تحضير الكثير من الأطعمة مثل الأجبان القابلة للدَّهن.

برلين- يعد السكر محل جدل واسع بين الأطباء وخبراء التغذية بسبب فوائده وأضراره الصحية؛ فهو يعتبر مصدرا للطاقة من ناحية، لكنه يرفع خطر الإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية من ناحية أخرى. ويرى الأخصائيون أن الجرعة التي يتم تناولها هي التي تحدد ما إذا كان السكر نعمة أم نقمة.

وقال البروفيسور يوهانس جيورج فيكسلر إن السكر ليس سيئا في حد ذاته؛ فهو مصدر هام من مصادر الطاقة. وأضاف أخصائي الطب الباطني الألماني أن السكر -بالاشتراك مع قلة الحركة وارتفاع مستوى الأنسولين- قد يُسبِّب زيادةَ الترسبات في الأوعية الدموية، مما يرفع من خطر الإصابة بالنوبات القلبية أو السكتات الدماغية.

كما أكد تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية أن الفركتوز يسبب أمراض القلب؛ ففي الوقت الذي تؤدي فيه خلايا الكبد وظيفة تكسير الفركتوز، يَنتجُ أحد المكونات النهائية وهو مادة تعرف باسم “تريغليسريد” أو الدهون الثلاثية، وهذه المادة يمكنها أن تتراكم في أنسجة الكبد بمرور الوقت، وحينما تنطلق في مجرى الدم يمكن أن تُسهم في نمو جدار من الدهون داخل الشرايين.

وتدعم دراسة أجريت منذ 15 عاما هذه النتيجة، فقد توصلت إلى أن الأشخاص الذين يستهلكون 25 في المئة أو أكثر يوميا من السعرات الحرارية في صورة سكر مضاف إلى الأطعمة أو المشروبات، كانوا أكثر عرضة للوفاة الناتجة عن مرض القلب بنسبة الضعف، مقارنة بمن يستهلكون أقل من 10 بالمئة فقط من السعرات الحرارية.

السكر هو مصدر الطاقة لبكتيريا الفم
السكر هو مصدر الطاقة لبكتيريا الفم

ومن جانبها أشارت خبيرة التغذية الألمانية سوزانا أومباخ إلى أن الجرعة هي التي تحدد ما إذا كان السكر نعمة أم نقمة، موضحة أنه وفقا لتوصيات منظمة الصحة العالمية ينبغي ألا يزيد الاستهلاك اليومي من السكر عن أكثر من 10 بالمئة من إجمالي استهلاك الطاقة، أي 50 غراما من السكر بالنسبة إلى 2000 سعرة حرارية (كيلوكالوري) في اليوم، ما يعادل 10 إلى 12 ملعقة صغيرة.

وأضافت أومباخ أن هذه القيمة تشير إلى ما يسمى بالسكر الحر، وهو السكر المضاف إلى الطعام والشراب، وحتى الموجود بشكل طبيعي في العسل وعصائر الفاكهة، وليس من بينه السكر الموجود في الفواكه والخضروات.

وبدورها قالت خبيرة التغذية الألمانية آنتيه جال إن المشكلة تكمن أحيانا في معرفة محتوى السكر في المواد الغذائية؛ ففي حين يتضح المحتوى السكري لمشروبات مثل عصير الليمون، يكمن الكثير من السكر في أطعمة لا تخطر على بال أحد مثل صلصات كل من الشواء والسلطة. وتفسر خبيرة التغذية دانييلا كريل سبب إضافة السكر في الكثير من الأطعمة بأنها وسيلة لتعويض النقص في المواصفات المطلوبة.

ويشار إلى أن الفركتوز الموجود في الأطعمة والفواكه بشكل طبيعي ربما يكون غير مضر، لكن كريل تحذر من خطورة سكر الفاكهة الاصطناعي في الأطعمة، لأنه يزيد تراكم الدهون في الجسم بشكل كبير جداً، ما يجعله أخطر من السكر العادي.

وأضافت جال أن السكر يُشار إليه بمسميات عديدة مثل الغلوكوز والفركتوز والسكروز والمالتوز، مشيرة إلى إمكانية الحد من تناول السكر ببعض التدابير البسيطة كاستبدال المشروبات المحلاة بالماء والشاي غير المحلى والتقليل من كمية السكر في القهوة وإضافة الزبادي الطبيعي إلى زبادي الفواكه لزيادة حجمه وتقليل محتوى السكر فيه.

ويعتبر السكر بالنسبة إلى الكثيرين متعة خالصة لا يمكنهم الاستغناء عنها؛ ففي تقرير نشر بموقع دويتشه فيله الألماني تبين أن الألمان مثلاً يستهلكون كميات كبيرة من السكر، ووفقا للإحصائيات يبلغ معدل استهلاك المواطن الألماني للسكر حوالي 32 كيلوغراما في السنة، وهي كمية تساعد على توليد طاقة تكفي لقيادة دراجة لمسافة ستة آلاف كيلومتر.

ويصف الأطباء الألمان السكر بـ”السمّ الأبيض”. ويعود سبب هذه التسمية إلى ما يخلفه السكر من عواقب خطيرة على صحة الإنسان. ومن أهم هذه العواقب تراكم الدهون في الجسم، حيث أوضح الطبيب الألماني الباحث في أضرار السكر، يورغن سايبل، أن السكر الزائد لا يُحرق، وبالتالي فإن الجسم لا يحتاج إليه لتوليد الطاقة، لذلك غالبا ما يتم تحويله إلى مواد طبيعية أخرى مثل الدهون التي تتراكم بكميات كبيرة في الجسم.

كما يؤكد الطبيب يورغن سايبل وجود ارتباط وثيق ومباشر بين البدانة والسكر والدهون، فاستهلاك السكر مرتبط بالبدانة التي تسبب الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني. ومؤخرا تدور النقاشات بشكل متزايد حول علاقة السكر بمرض السرطان، إلا أن الطبيب سايبل أكد أن الدراسات الحديثة لم تظهر وجود ارتباط وثيق بين الاستهلاك العالي للسكر والسرطان، إلا أن مرض السرطان معروف بقدرته العالية على التحكم في استقلاب السكر، وارتفاع نسبة السكر في الدم يؤدي إلى زيادة إنتاج الأنسولين، وبالتالي زيادة عامل النمو، الذي بدوره يرتبط بانتشار الخلايا السرطانية.

الصحة العالمية توصي بأن لا يزيد الاستهلاك اليومي من السكر عن أكثر من 10 بالمئة من إجمالي استهلاك الطاقة

ويؤكد أطباء الأسنان أن السكر هو مصدر الطاقة لبكتيريا الفم ويساعدها على إنتاج كميات كبيرة من أحماض السكر المسببة للتسوّس. وأجريت مجموعة من الدراسات على بعض الأشخاص الذين يتناولون السكر بكثرة، ولوحظ وجود تغيرات في مستويات الدوبامين داخل أدمغتهم، وهذه التغيرات تشبه التغيرات في أنماط أنشطة الدماغ والتوازن الكيميائي لدى مدمني المخدرات.

ويعد الدكتور لوك تابي -أستاذ الفسيولوجيا بجامعة لوزان- واحدا من عدة علماء يرون أن السبب الرئيسي وراء أمراض السكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم هو الإفراط في تجرّع السعرات الحرارية، وأن مادة السكر هي مكون واحد فقط من ذلك.

ويقول تابي “تجرع المزيد من الطاقة دون أن يتخلص منها الجسم سوف يؤدي على المدى البعيد إلى تراكم الدهون، ومقاومة الأنسولين، والكبد الدهني، مهما كانت مكونات النظام الغذائي”.

12