جريدتي المفضلة

الخميس 2014/12/04

ستظهر علامات الانزعاج على وجه قارئ كلاسيكي عجوز لصحيفة التايمز أو الغارديان، عندما تقترح عليه مطالعة واحدة من صحف التابلويد مثلا.

إنها فكرة “صحيفتي المفضلة” وهو تقليد لم يفقد أثره بعد، فثمة متسع في مقاهي لندن ونيويورك وباريس لقراءة الصحيفة -لا أجد مساحة تفاؤل معقولة عند التحدث عن مدننا العربية-، متسع لمتعة تقاوم الخضوع الهائل لإغراءات “أي باد” و”أي فون”.

عندما أعلنت صحيفة “ايفنينغ ستاندرد” قبل سنوات عن توزيعها مجانا مساء كل يوم، غمرت رئيس الوزراء البريطاني آنذاك سعادة وذلك عندما شبه توزيع الصحيفة بالتأمين الصحي المجاني المحبوب، بينما يصف الكاتب ف اس نايبول الحائز على جائزة نوبل الأمر بأنه أشبه بتحديق في فضاء حر، أما الشاعر أندرو موشن الذي اختصر فضاء لندن في الأرواح والأفكار الحرة، والمتاحف والمكتبات والحدائق المجانية، وحتى الملذات، وها قد أصبحت الجريدة مجانية أمامه، فقد عبر عن موقفه بالقول “يا للروعة!”.

في دوامة العمل اليوم ثمة من يطالع الصحف على عجل في القطار أو أثناء وقت الاستراحة، بيد أن صحفا استجابت لتلك الرغبة السريعة وأعادت تقديم محتواها عبر فلاشات سريعة وقصص مقتضبة تلبي رغبة القارئ المعاصر، مثلما تقدمه صحيفة “أي” التي صدرت عام 2010.

ثمة فلسفة لا تقبل أن تموت في قراءة الصحيفة الورقية، لا تمت بصلة إلى الحنين للماضي بل إلى العمق والاسترخاء في هضم المعلومة واستيعاب المعرفة، تلك الفلسفة بتنا نتوق لها نحن الغارقون تحت أشعة شاشات الكمبيوتر والهواتف الذكية، بنفس الطريقة التي جعلت من الفيلسوف آلان دو بوتون يأخذ صحيفته المجانية إلى أقرب فندق ليشغل مقعده في الردهة المطلة على مساحات لندن الخريفية، ويرى أين تكمن الحكمة في المال أم المجان؟

لم تمض المزيد من السنين بين الأجهزة الذكية والخدمة المغرية التي تقدمها في التصفح السريع، إلا وانتابنا الحنين للصحيفة الورقية مع إنها بين أيدينا وتقاوم الاختفاء وإرغامها على الانسحاب من السوق، وهنا تكمن فكرة “صحيفتي المفضلة” غير القابلة لأن تدخل متحف الصحافة.

عندما ناقش عشرات الصحفيين والمتخصصين قبل سنوات مستقبل الصحافة في عصر الإنترنت، كان شعار “صحيفة تصنع مستقبلا” مرجعا لتداول الآراء التي صدر بعدها بيان الإنترنت الذي عد الويب “الكل للكل” في محاولة تحريضية على ضرورة أن تتكيف الصحافة اليوم مع التكنولوجيا المتاحة، بوصف الإنترنت وسيلة تواصل مباشرة مع الأشخاص.

فيما مضى كنّا نتحدث عن القرّاء وعن المُستمعين وعن المتفرّجين واستغلال معرفتهم، واليوم –حسب بيان الانترنت- لسنا بحاجة لصحفيين يعرفون كل شيء مسبقا، ولكن نحن بحاجة للّذين يتواصلون، للّذين يشكّون ويضعون الأسئلة.

وهذا ما يبحث عنه قارئ الصحيفة الورقية أيضا، لأنه في كل الأحوال لن يتحمل فقد متعة القراءة مع قصص مكررة، وسيفقد بعدها الصلة مع فكرة صحيفته المفضلة.

نفس البيان الذي أصبح مرجعا ضروريا، عَدّ الويبْ البنية التّحتيّة التي يقوم عليها التبادل الاجتماعي الأعلى في وسائل إعلام القرن العشرين، في تحذير واضح للصّحفيين الذّين يزدرون هذا الأمر، ولا يولونه ما يستحق من الاهتمام الفعلي، لأنهم في كل الأحوال سيجدون نتاجهم أيضا لا يأخذ مأخذ الجدّ من طرف المتصفحين للإنترنت والقراء للطبعات الورقية معا.

من أجل ذلك عليهم المحافظة على ما تبقى من قراء، ما يمكن وصفه بـ “جيل صحيفتي المفضلة”.

18