جريرة الصمت

الخميس 2015/11/12

نعم يحقّ للشّعراء ما لا يحقّ لغيرهم، فهم من يهيمون ليقطفوا نرجس الكلام من حواف الوديان السّحيقة، يحطبون الأشجار العالية بمناجل الغيب، ويقطبون أفواه جحيم العاطفة بخيوط من ضوء بكر.

نعم يحقّ للشّعراء ما لا يحق لغيرهم، يدوزنون الصّباحات على مقامات كمنجاتهم، يجدولون انصياع السّواقي لمجاري نهر الكلام فيكسوهم السعف وهم يرفعون قامات النخيل.

يقولون بالحلول، والانشداه، ويبذخون وهم يعبرون جسد الموت ويخرجون منه أكثر رقة، يراودون شعاعا على ظلّه، ويجلخون سواطير الاستعارات ليمزقوا لحم السّماء، ويعلقون الليل من عرقوبه، يبيعونه، خاليا من العظم، والدّهن، والزّنخة، صافيا إلا من الكوابيس والنبوءات.

نعم يحقّ للشّعراء ما لا يحق لغيرهم حين يتألم التّراب، يرشّون عليه دعسات حبيباتهم، يطببون الجراح بالفواح، ويعالجون آلامه بندف القبلات على أديم الأرض، وحين ينسدر البحر، يحرسون الأمواج من عته الشّواطئ.

نعم يحقّ للشّعراء هذا وأكثر. ولكن أيّ شاعر يحق له ذلك؟

هو الشاعر الذي حضر يوما مجلس هولاكو، وقد تحزّم بحزام لامع، وارتدى أبهى حلّة في ذلك العصر وقد أخذته سكرة السلطة، وبمزاج رائق طلب من الشّعراء والحضور أن يثمنّوه، كم يساوى هولاكو لديكم؟

جادت القرائح تقدم ذبائح الكلام، تهدر حشمة الشّعر تهتك كرامة اللغة.

ولما وصل الحديث إلى الشّاعر قال: أشتريك بعشر فضيات

ضحك السّفاح ورد: عشر فضيات لا تساوي ثمن “بكلة” حزامي هذا؟

ردّ الشّاعر: إنما أنا أشتري فيك “بكلة” حزامك، أما أنت فلا تساوي شيئا.

فقط لمن يستطيع أن يجهر لحظة الحقّ، لولي من أولياء الغباء والموت والأمر. أنت لا تساوي شيئا، هو من يستطيع أن يقول أكثر من الجميع، الحقيقة والحقّ دون الخوف من الاستحقاق.

في سوريا صمت جل الشّعراء، وصمت الشعر، إنه الصمت الذي تفجر في مملكة السكون والأقبية ليقال دفعة واحدة.

أما من ظنّوا أنهم تحدثوا، فقد نثروا الهراء، الهراء إيّاه المنثور بكثرة على ضفاف المذبحة، التبرير الخطير للسفاح بحجة الحرية مفصلة على مقاس مساطرهم، وإن الرعب من القادم للتحرير أكبر من وائد الحرية، وإن القطيع يبيع الأوهام ولا ينتج سوى الكوابيس، وإن المساجد أوكار لا تخرج منها قيم الحرية، وإن دكتاتورا ببدلة عنق أفضل من حرّ بعمامة، إلخ.

آه منك أيتها البلاد ومن بلادة الشعراء.

إنها بلادٌ تُصكُّ بختم شاعر. إنها أرضٌ تُطوّب لِحلمِ شاعرٍ، ونساءٌ يتعمّدْن ببحور الشعر، ويتشمّسنَ عاريات طازجات تحت ضوء نائس من النثر الشّفيف ولسعاته الهائجة أعلى النهدين. إنها البلاغة، يحترس الشعراء منها ومن فخ الملل والمثل والأمل.

يشعلون النار، مذ استهدوا إلى سرِّ الآلهة، وسرق لهم برومثيوس النارَ من القمة، وهم يحطبون الأشجار ليتخلصوا من برودة العقل، وهم يُفَخِّخون غيمة عابرة لتمطرَ نبيذا وزرافات وأزرارا من قمصان السماء المفتوحة. وهم يلتقطون الزفير الخارج من تجويف ثقب في القلب، ويعجنونه ليصنعوا منه سُبْحات يعدّون بها أسماء الشاعر الحسنى.

ألا من يجرؤ الآن على قول ماذا سيجري غدا؟ ويقول كم سعر ساعة الخليفة البغدادي وبكم تباع ربطة عنق بشار الأسد مقابل ربطة مشنقة، وبكم كيلو الشعر في سوق الممولين؟ وكم يساوي أقذر خلف لأردأ سلف؟

كاتب من سوريا

14