جريمة المسجد ومن ورائها فقهها

الأربعاء 2017/11/29

كان الصمت ومنطق التحايل، هما خيارا كل السائرين في فلك التأسلم السياسي، ومعهم مجموعات “السلفية الجهادية” بكافة عناوينها؛ حيال الجريمة المروّعة، التي اقترفتها مجموعة الإرهابيين الأشرار، في شبه جزيرة سيناء.

بعض هؤلاء، صمت مندهشا من حجم الجريمة التي يريدها بالتقسيط وليس دفعة واحدة. فحبذا -بالنسبة لهذا البعض- لو اختلف مكانها واختلفت لحظة الصلاة. لزوم الاستمرار في الخديعة، ولو كان تحويل الناس إلى أشلاء، قد جرى في لحظات التسوّق مثلاً، أو أثناء المرور لقضاء الحاجات.

أما بعضهم الآخر، فقد اختار التحايل، وجعل العمل محض ارتجال وتنفيس عن ضغوط تسببت فيها الدولة المصرية التي يناصبونها العداء. لكن جنس العمل، معتمدٌ لديهم في أي مكان، وسيكون مبهجا أكثر، لو إن الجريمة وضحاياها الأبرياء بحجمها الكبير، وقعت في بلد آخر، وطالت أناسا من دين آخر أو في بلد آخر، علماً بأن الإنسان من كل دين، لا يزال يصلح هدفاً لهؤلاء.

فمن يهجم بشاحنة أو متفجرة، على عابري السبيل في أيّة حاضرة، لا يعرف ما هي أديانهم وما هي أعمار الأطفال أحباب الله من بينهم، ولن يستغفر ربه، إن اكتشف بعد الجريمة، أنه قتل مسلمين وأطفالاً أو بشراً مناصرين لقضايا المسلمين وأوطانهم.

أول عجائب هؤلاء، أنهم ما زالوا يتوهمون، بأن النصر سيكون حليفهم، وأنهم الفائزون في الدنيا والآخرة.

فقد شاهدت بعيني ذات يوم في الجزائر، أشلاء طفلة في العاشرة من عمرها، كانت صديقة ابنتي في مدرستها. ففي اليوم السابق لموتها، وكنا في أوائل شهر شوال، تصادف أنني دعوتها لأن تظل مع ابنتي لكي تتناول في منزلنا طعام الغداء، فأجابتني أنها صائمة، فسألتها من فوري “تصومين ماذا بعد رمضان؟” فقالت بلهجتها الجزائرية “أيام الصابرين”، وهذه هي التسمية الدارجة في الجزائر، للأيام الستة من شوال.

نحن بصدد أناس ذوي عاهات ذهنية ومسلكية، وبلا دين. ومن وراء هؤلاء فقهاء للأحقاد من المرضى النفسيين، منهم من يتخفف في غلاظة القول، لكي تتاح له فرص الظهور على شاشات التلفزيون، ومنهم من يلتزم الجحور والغرف المعتمة، ويبرع في تهيئة الجهلة والمضللين لأخذ دروب هلاكهم وإهلاك الأبرياء.

ويمكن أن يتبدى جلياً، افتقارهم للحدّ الأدنى من التقوى، وتتجلى بشاعة دواخلهم، إن انتشروا على أرض واحدة كسوريا مثلاً، ومن قبلها الجزائر. ففي مثل هكذا ظروف، تراهم يتذابحون، وما جرى في مسجد قرية “الروضة” كان يجري في مصلياتهم وأثناء سجودهم الكاذب، إذ يهجم ملتحون على ملتحين، ولا يُحكّمون القرآن الكريم لفض شجاراتهم، ما يبرهن على أنهم بعيدون عن الإيمان مسافات ضوئية.

لنفترض جدلا أن لهؤلاء قضية أو رسالة، فما الذي يمكن أن يفعلوه لكي ينكشف أمرهم؛ أكثر وأفدح من الهجوم على مسجد وقتل أناس متوضئين مصلين؟ أليست القضايا في حاجة إلى مناصرين من الشعب؟ فمن أين يأتي المناصرون، حين يصبح كل إنسان من الشعب هدفا لهم؟

لم يعد يختلف اثنان، على أن هؤلاء بلا قضية وبلا رسالة. كاذبون هم في زعمهم أنهم يريدون دولة إسلامية، لأن المساحات التي سيطروا عليها في سوريا، تحوّلت إلى ميادين قتال بين بعضهم البعض، بمعنى أنهم مصاصو دماء ويريدون الحريق.

فضلا عن ذلك، فإن ممارساتهم، وبعضها يتعمدون تصويرها بكاميرات الفيديو؛ تنمّ عن مروق كافر، على الفقه الإسلامي، الذي اشتمل على الإحسان والرفق، حتى عند ذبح الشاة.

ففي الأثر، قيل إن الرسول الكريم عليه السلام، صاح في وجه رجل وضع مفصل ساقه على بطن شاة، وضغط عليه بقوة، فقال له “ويحك أتُميتها ميتات، إن الله قد كتب الإحسان في كل شيء. من يذبح شاة، فليُحدَّ شفرته ويُرح ذبيحته”، ونهى النبي عن حرق الإنسان قائلا “لا ينبغي لبشر أن يُعذَّب بعذاب الله” وأكد على “كراهة التحريق حتى للهوام”. لكن هؤلاء الذين ضلّوا السبيل وأجرموا، أقاموا حفلا أمام الكاميرات، لحرق طيار عربي أردني أسير، بينما الدين ينهى عن قتل الأسير حتى بالتجويع.

ثمّة قراءة، بمفردات الميدان، للعمل الإرهابي الذي أردى مئات الأبرياء في مسجد “الروضة” في سيناء. فهؤلاء لم يفعلوا ما فعلوا، إلا مذعورين من فكرة الموت المؤكد. وقد بدا واضحا أنهم باتوا على يقين، بأن اجتثاثهم وشيك، فتعمدوا إيلام الأمة كلها، ومعها الإنسانية، بهجوم لا يستثني شيخا أو طفلا. أنزلوا عقوبة الموت في الناس بالجملة، واختاروا هدفاً سهلاً يؤدي غرضهم، بعد أن أصبح هامش الحركة، المتاح لهم في سيناء، ضيقا، ويصعب عليهم الهجوم على أهداف صعبة، بالقليل من الخسائر. ثم لأنهم جاهزون لاقتراف أيّة جريمة، فلا بأس عندهم من قتل مصلين في لحظات انصرافهم عن حسابات الدنيا واستغراقهم في حسابات السماء.

لا يعلم واحدنا، مدى ابتهاج أيمن الظواهري، بقتل مصلين من أبناء شعبه في مسجدهم، بأيدي مخلوقات من مدرسته. لعله في خلوته، احتار ماذا يقول عن الفعل الصادم، الذي فعله جنوده. هل ارتاح لوجهة إطلاق الرصاص، أم إنه يفضّل لو أنها كانت في كنيسة مثلا. هو لم يُعلّم أتباعه، أن النبي محمد عليه السلام ارتضى المسيحيين شركاء في الوطن وفي الحياة الإنسانية.

أما فقهاء الموت والعدم، وتجار الدين الكاذبون المحرضون على القتل، فإن أمرهم أصبح منوطا بالناس قبل الحكومات، وبالفقيه المستنير قبل الخطيب السياسي، وبالثقافة لا بالجهالة.

لذا يلتمس واحدنا التوافق بين كل الأسوياء، على اجتثاث فقهاء الموت والعدم وخراب الأوطان، وملاحقة الشراذم التابعة لهم في كل مكان.

كاتب وسياسي فلسطيني

8