جريمة قتل وثلاث شخصيات تبحث عن زمن فلسطيني جديد

مازالت التهم الأخلاقية تلاحق الإبداع في مختلف الأوطان العربية، وكانت آخرها قضية منع رواية “جريمة في رام الله” للكاتب الفلسطيني عباد يحيى، من قبل النائب العام الفلسطيني بحجة أنها مخلة بالحياء، اعتمادا على أجزاء من هذا العمل السردي، فيما الفن الروائي يقوم على تعدد الطبقات التي يصعب اختصارها، وأصوات متعددة هي أصوات وآراء شخصيات العمل أولا وأخيرا، والتي تتمتّع باستقلالية مطلقة عن الكاتب، كما جاء في رد فعل مثقفين عرب استنكروا هذا المنع واعتبروه جائرا.
الأربعاء 2017/02/08
ثلاث شخصيات ترغب في خسارة كل شيء (لوحة فنية لسعد يكن)

يقدم الروائي عباد يحيى في روايته الجديدة “جريمة في رام الله” نموذجا لافتا، في تتبع حياة الجيل الفلسطيني الشاب الجديد، بمساراته التي فرضها الزمن المغاير والمتقطع، وبمآلاته وأسئلته الجديدة، وهذه القراءة إذ تقدم لمحة عن العمل، تركز بالأساس على مبناه السردي وتقنياته الروائية أكثر من مناقشة أفكاره ومقولاته وما يعرضه، والتي سيتوقع أيّ قارئ للرواية أنها ستثير ضجة وسجالا.

آثار جريمة

“جريمة في رام الله” رواية عن المدينة، ورواية المنقطعين عن عائلاتهم، عن العائلة، ورواية عن فلاحين، لم يعودوا فلاحين، ورواية الجيل الذي عاش في مراحل متناقضة، عن عوالمه النفسية الداخلية المركبة وعلاقته الملتبسة مع محيطه السياسي والاجتماعي، جيل يحن إلى المشاريع الكبرى التي عاش ظلالا منها من مواقع مختلفة، ويستثمر سقوطها في نفس الوقت. وهي فوق ذلك، رواية ناس عاديين، وسرد لقصصهم المكتملة من دون كلّ ما سبق.

وكما جاء في غلاف الرواية، الصادرة عن منشورات المتوسط- ميلانو، 2017، في 240 صفحة، تصعب الإجابة على سؤال من أين بدأت القصة؟ ويصعب تقديم أيّ ملخّص لأحداثها (وهذا بالمناسبة أحد تعريفات الكتابة الروائية) لكنها إجمالا تتبع حياة ثلاث شخصيات مختلفة، تجتمع في تأثرها بجريمة وقعت في حي الماصيون في رام الله، وتصير فيما بعد لحظة حاسمة في تغيّر بعض الشخصيات، وانتقالها لظروف أخرى، ومبررا لخيارات شخصيات أخرى.

الشخصية الأولى، كانت شخصية رؤوف، من قرية قضاء رام الله، وابن أحد المناضلين في سنوات ماضية، يرصد فيه التغيرات في علاقته بالنضال والأرض والدين، وتكتسب حياة رؤوف تعقيدا هائلا منذ اللحظة التي يصطدم فيها بفتاة كانت في التاكسي الذي أقله يوما من جامعة بيرزيت إلى رام الله.

أما الشخصية الثانية، فشخصية نور التي تبدو أكثر إشكالية، إذ تكون لها خيارات جنسية مختلفة، تتعرض بسببها لتطور يأخذ أحد انشغالات الرواية الأساسية. ورؤوف ونور كلاهما يعملان في بار/مطعم وقعت قربه الجريمة. أما الشخصية الثالثة، وسام، فهو من يتعرض للجريمة مباشرة، إذ تكون الضحية صديقته.

الرواية ترفق بداية كل فصل بخبر وتاريخ حقيقيين، في إشارة إلى اتصال أحداث العمل بالواقع وانفصالها عنه

ومع أن القارئ قد يعتقد للوهلة الأولى، أن العمل يذهب إلى مسار تقليدي، يعرض تصوّرات وفهم شخصيات مختلفة لحدث واحد، لكنه ينتبه متأخرا إلى أن الرواية لا تضع نفسها في هذا القالب، فتقلل من مركزية الحدث، مقابل أحداث متعلقة بكل شخصية على حدة، وعلى العكس من النمط المذكور، فإن علاقة الشخصية بالحدث لا تبدو ظاهرة ولا مباشرة في حياة كل الشخصيات، لكنها لا تكتمل في نفس الوقت بدونه.

وفي الوقت ذاته، فإن رغبة عباد يحيى بالتجريب، التي نجح في معظمها كما أرى، أخذت سرد الشخصيات عن نفسها إلى حيّز غير المذكور، وإلى أشكال وطرائق مختلفة ومتنوعة. فيروي رؤوف سيرته بصيغة الماضي، لأن الرجوع إلى الماضي كان خياره الأخير، وحلّه للمشاكل التي يتعرض لها، أما نور فبصيغة الحاضر المستمر والمتواصل، لأن مآسيه تأخذ هذا الشكل وحلوله كذلك.

بينما ينزع العمل فاعلية الشخصية الأخيرة، وسام، فيختار لها راويا عليما، يروي عنها، في إشارة ربما إلى أنها الشخصية الوحيدة التي تعرضت للحدث/الجريمة بشكل مباشر، وحدد لها مسارات حياتها وموتها بالمطلق.

التواصل مع الحاضر

إضافة إلى ذلك، يستخدم العمل تقنية سرد معروفة، لكنها ضرورية ومتصلة بمسارات العمل، فيتوزع سرد نور عن نفسه إلى جزأين، جزء يتحدث فيه عن يومياته وما يعايشه، وجزء مطبوع بالخط المائل وبين مزدوجين كأنه مقتبس، يتعلق بما يكتبه نور بغية الحصول على لجوء في دولة أوروبية، بالتنسيق مع صديقه الفرنسي.

عمل مفقود في الأدب الفلسطيني المعاصر

والعمل كان حذرا حذر العارف في تتبع مسارات الشخصية، فهو إذ يعرض ما يتعرض له من اضطهاد وتدخل، من جيرانه إلى أصدقائه وزملاء المدرسة والجامعة، إلى أفراد الأجهزة الأمنية، الذين رأوا فيه تدنيسا لبلاد الشهداء والمناضلين، فإنه في نفس الوقت يضعه في سياقه المتداخل والغامض. فعرض الاضطهاد الذي تتعرض له الشخصية، متصل مع تحويل الشخصية إلى مادة للتوظيف، وللحصول على امتيازات. خاصة ونور يعرض تفاصيل خاصة عن حياته الجنسية وحياة عائلته المتدينة التي ينتمي بعض أفرادها إلى حركة حماس.

وعلى الرغم من أن الرواية تعنى بتجديد يحسب لها، ولا تتعامل سوى مع فترة قصيرة من حاضر الفلسطينيين، إلا أنها تستدعي تفكيرا جديا عن الزمن الفلسطيني المعاصر، الذي تحوّل كما تعرضه، إلى فترات متقطعة وغير متصلة. فيتذكر رؤوف مثلا، الصورة الزيتية المعلقة في بيته، لمجموعة من الفلاحين العائدين من موسم زيتون، و”كأنها صورة لأجداد بعيدين” من زمن غير هذا الزمن، على الرغم من أنها صورة عائلته قبل سنوات قليلة.

في الرواية سخرية سوداء من قدرة الفلسطينيين على تحويل حياتهم إلى ماض، أو رغبتهم الدائمة في عيش قصصهم داخل الأرشيف. سخرية من الرغبة في خسارة الأشياء، حفاظا على الحنين لها، ومن التخلي عن الأشياء، لحيازة دلالالتها. ومن تحويل المشاريع إلى صور معلّقة في غرف الضيوف، وقطع الأرض الشاسعة في القرى، إلى “ورود تافهة مزروعة على شرفات المدينة الضيقة”.

لم يسبق أن مرّ عليّ أسلوب كالذي استخدمه عباد يحيى في الرواية، والذي أرى أنه كان أسلوبا موفّقا ومحمّلا بأبعاد رمزية، ومساحة لتمرير تقنيات عملية (إعطاء معلومات، تواصل شخصيات.. الخ).

تستخدم الرواية تقنية الأخبار، (وهي مستخدمة في أعمال أخرى، لكن على غير الطريقة التي تستخدمه فيها الرواية) أي ترفق بداية كل فصل بخبر وتاريخ حقيقيين، في إشارة رمزية إلى اتصال أحداث العمل بالواقع وانفصالها عنه في نفس الوقت، فهي متصلة به لأنها وشخصياتها جزء من واقع يحرص العمل على الالتزام به، ومنفصلة عنه لأن في هذه الأخبار التي قد تكون أحيانا عن أشياء لا علاقة للرواية بها، تأكيد على أن الحياة تستمر بشكلها الحاسم والطبيعي، مهما اختلفت تصوّرات الشخصيات والناس عنها.

رواية “جريمة في رام الله” عمل مفقود من الأدب الفلسطيني المعاصر، الذي نتساءل دائما عن معاصرته الغائبة، وعن انشغالاته بماض قديم وأمكنة بعيدة. لكن عباد يحيى يؤكد على صلته بالحاضر، وعلى مكان الرواية الطبيعي، بنتا للزمن وللمكان (أو للمدينة ربما). وهو بذلك من الروائيين الفلسطينيين القلائل الذين يملكون مشروعا واضحا. لكن هذه الرواية، كما أرى، عمل عباد يحيى الأهم إلى الآن، فهي الأقدر على الانفصال عن المقولات السياسية التي تحملتها أعماله السابقة، إلى معالجة مستندة إلى سخرية مخفّفة من هذه المقولات، بالإضافة إلى التركيب في بناء الشخصيات.

14