جريمة مصورة

السبت 2014/11/08

الإحساس بالذنب والتقصير شعور مزعج قلما يغادر خيال الأم، فالعطاء غير المحدود وغير المشروط الذي تغدقه على أبنائها وخاصة الصغار منهم، لا يعفيها من هذا الإحساس المقيت؛ فهي في صراع دائم خلال سعيها إلى الكمال لتحقيق أقصى متطلبات وشروط الحياة الكريمة لأبنائها. يمثل هذا السلوك العاطفي المبالغ فيه مسارا عاما قلما تتخلف عن ركبه أم من الأمهات اللاتي نعرفهن ونحبهن ونعجب بهن، هذا لأن الأم هي ذاتها لا تتغير بتبدل الأزمنة والأمكنة؛ فهي الأم في الماضي والحاضر والشرق والغرب، وهي الأم في الصباح وفي المساء، في الشباب والشيخوخة، وهي الأم في العمل والمنزل، في الفقر والغنى.

لكن، لكل قاعدة شواذ، فبعض الأمهات اشتهرن عبر التاريخ بجرائم يندى لها الجبين ارتكبنها في حق أبنائهن فلذات أكبادهن، إلا أن التحريات القضائية والاجتماعية التي تتبعت سير الحوادث في حينها، كانت برأت ساحة عدد لا بأس به من هذه الجرائم، وذلك بالتشكيك في منابع السلامة العقلية والنفسية لتلك المخلوقات التعيسة التي حاولت أن تتحايل على واقع بائس، لتعاجله بنهاية ترسمها بنفسها، ثم لتحمل في طريقها إلى هذه النهاية قطعة عزيزة من جسدها كانت قد أهدتها إلى أروقة هذا العالم المجنون رغما عنها.

بعيدا عن جرائم القتل، تتمثل القسوة أحيانا في معاملة غير إنسانية أو كلمات جارحة تتبناها بعض الأمهات دون وعي، كأسلوب تربية تعالج به طفلا مشاكسا لا يستقيم سلوكه إلا بالعنف، ورغم مساوئ هذا السلوك وآثاره السلبية على مستقبل الطفل نفسيا، فإنه ما زال خيارا مفضلا لبعضهن. على أن أساليب معاملة بعض الأمهات لصغارهن من فنون تعذيب ومشاهد قسوة تدمي القلوب تجاوزت كل الحدود، وشكرا لوسائل التقنية الحديثة التي جعلت من مشاهد القسوة المخزية رسائل يومية طريفة بالصورة والصوت في متناول القاصي والداني؛ أمهات نجمات في قصص مخجلة يتخذن من أطفال بعمر الورود مادة دسمة للسخرية، في محاولة لرسم شبح ابتسامة على ملامح غرباء غير مرئيين في مواقع التواصل الاجتماعي.

بالأمس، تداول مجتمع “فيسبوك” في ولاية فيرجينيا الأميركية صورة لطفل أعزل أكمل للتو عامه الأول، وكان الرضيع يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يتدلى مربوطا من ملابسه إلى كلاب حديدي موضوع ضمن إطار الباب الرئيسي لمدخل المنزل، وكأنه ذبيحة معلقة في دكان قصاب.

المشهد الصامت والصادم كان من بنات أفكار الأم “الوحش”، التي لم تجد وسيلة تسلية تبدد بها أوقات فراغها، سوى تعذيب صغيرها بهذه الصورة المخزية والتقاط الصور التذكارية لعذاباته. وبالطبع، فإن الحس الأمني للمجرمين قد يخذلهم في إحدى لحظات التجلي، وهكذا وثّقت الأم دليل إدانتها بالصورة التي استفزت والد الطفل وجعلته يفكر في الانتقام لكرامته بعد أن خرج من إحدى معارك الزوجية مهزوما، فقرر مشاركة الصور على موقع “فيسبوك” ليس من باب الشفقة على المخلوق المسكين وإنما ثأرا من الأم، حتى وصلت الصورة التي أدانت صاحبتها إلى من يعنيهم الأمر وجعلتها رهن الاعتقال. حمدا لله، لم يصب الصغير بجروح جسدية تذكر عدا نزعة البكاء، التي تمكنت من روحه العذبة وهي تقاتل بشراسة عدوا كان بالأمس القريب الوريد والنبض وسر الحياة.

21