جزء من أزمة فنزويلا

الولايات المتحدة جزء من المشكلة، ولا تصلح بأن تكون جزءا من الحل، فما بالنا عندما تكون طريقة الحل تدخلا عسكريا، بل إن كل مقاصد واشنطن في هذا السياق مطعون فيها.
الأربعاء 2019/02/06
رعونة أميركية لحل الأزمة

مثلما يصعب إنكار مسؤولية الرئيس نيكولاس مادورو عن الحال الذي وصلت إليه فنزويلا منذ بدء تراكم عناصر الأزمة الأخيرة في ديسمبر العام 2017، يصعب أكثر، بل يصعب إلى درجة الإستحالة، تسويغ التدخل العسكري الأميركي في البلاد تحت أي ذريعة، لاسيما وأن الطرف الذي لا يستبعد التدخل، وهو الولايات المتحدة، يمتلك سجلا حالكا في تاريخ تدخلاته إما الفاشلة التي أوقعت مآسي فورية، وإما التي أسست لنزعات أهلية مفتوحة، وأيقظت مشاعر نافرة بين مكونات الشعوب، وهذه مخاطر لا يختلف اثنان على أن فنزويلا في غنى عنها!

من خلال نظرة سريعة على مواقف الدول التي أيدت رئيس البرلمان الفنزويلي خوان غوايدو، عندما خرج للعالم معلنا تنصيب نفسه رئيسا مؤقتا بالوكالة لفنزويلا، بدلا من الرئيس الحالي نيكولاس مادورو؛ يتضح أن هناك العديد من الفوارق بين موقف وموقف.

يقف الأوروبيون مع رئيس البرلمان ويعترفون بشرعيته، انطلاقا من قراءة أخلاقية للحال الدستورية في فنزويلا، ولممارسات رئيس الدولة الذي مازال يهيمن على الجيش.

ويرى الأوروبيون أن الموقف يساعد شعب فنزويلا على استعادة حقوقه التي كفلها دستور العام 1999 وهو الدستور الوحيد في تاريخ البلاد الذي تم الاستفتاء عليه شعبيا.

أما التدخل الأميركي العسكري، أو التلويح به، فهو حلقة من سلسلة تدخلات أميركا العدائية تجاه النظام الفنزويلي منذ عهد هوغو شافيز، وقد تخللت تلك التدخلات اتهامات لواشنطن بمحاولات تدبير انقلابات بل حتى بشن ما سمته الحكومة الفنزويلية “هجمات نفسية مركزية”.

القصد أن الولايات المتحدة جزء من المشكلة، ولا تصلح بأن تكون جزءا من الحل، فما بالنا عندما تكون طريقة الحل تدخلا عسكريا، بل إن كل مقاصد واشنطن في هذا السياق مطعون فيها. فموقفها الفوري الذي اتسم بالحماسة لغوايدو زعيم المعارضة ينبعث من خلفيات استخبارية قديمة ومصالح اقتصادية واعتبارات نفوذ. فواشنطن تعتبر فنزويلا إحدى أهم الدول لها في قارة أميركا اللاتينية، وتثابر دائما على جلبها إلى صفها وإبعاد روسيا والصين وإيران عنها.

وعلى الرغم من كل ما يمكن الحديث عنه من خروقات ارتكبها الرئيس مادورو وحكومته؛ فإن ما يجري الآن هو انقلاب دستوري، توفرت له بعض الأسباب لكن كل شروط نجاحه لن تتوفر بالتدخل العسكري الذي يأتي دائما بنتائج عكسية. وفي هذا السياق، يصح القول إن هناك وسائل عدة للضغوط التي من شأنها إجبار الرئيس نيكولاس مادورو على التراجع عن تجاوزاته في مجال الحريات السياسية والفساد الذي يحاول تغطيته بالخطاب الشعبوي والحماسي، على طريقة الدكتاتوريات التي غابت وأورثت شعوبها آلاما وكوارث لا تزال تعاني منها، وفتحت بطون أوطانها لمن أهم أسوأ منها، من القوى الاستعمارية وحلفائها المحليين الذين هم أعتى فسادا واستبدادا!

ولعل من بين العوامل الكثيرة التي من شأنها إقناع الرئيس مادورو ألا ينطح الجدار، هو شبه الإجماع اللاتيني على عدم صدقية انتخابات 2018 الرئاسية التي نجح فيها مادورو بنسبة 67.8 بالمئة، خاصة وأن الدول التي أكدت على التزوير شملت أقطارا وازنة في القارة، مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي وكولومبيا، فضلا عن أقطار أوروبية كألمانيا وغيرها.

وفي الساعات الأخيرة، وقبل أن يحاوره أحد، أعرب مادورو عن استعداده للإعلان عن انتخابات نيابية مبكرة. ويقول الرئيس ترامب نفسه، إن الرئيس الفنزويلي عرض عليه لقاء للتشاور في الأزمة، وأنه رفض اللقاء. هكذا قال ترامب مزهوّا، وألمح إلى احتمالات التدخل العسكري، وفي هذه الحال من يكون الأكثر رعونة وابتعادا عن نقطة البدء الصحيحة لحل الأزمة؟

وعلى الرغم من سخونة الأحداث، إلا أن فنزويلا لديها الدستور الذي يمكن الاحتكام إليه، ويعتبر هوغو شافيز هو الأب الروحي لهذا الدستور، الذي جرى تكريسه بعد 25 دستورا قبله، وقد صاغته  “الجمعية الدستورية” التي انتخبت في استفتاء شعبي، ولقي هذا الدستور دعما قويا من مختلف القطاعات والاتجاهات الفنزويلية، بما في ذلك الشخصيات المتورطة في إصدار دستور عام 1961 سيء الصيت في فنزويلا، لكن منطق الرئيس ترامب الاستعلائي المتخطي لكل حدود اللياقة في العلاقات الدولية، لا يؤهله لأن يبدأ مع مادورو مباحثات على قاعدة الاحترام المتبادل، من نقطة الاحتكام إلى الدستور، والشروع في حل منطقي يأخذ البلاد إلى عملية ديمقراطية جديدة، وسيكون ذلك بالنسبة لترامب أقل مشقة من سفره إلى شرقي آسيا وتحامله على نفسه لكي يتودد إلى الشاب كيم جونغ أون زعيم كوريا الشمالية!

12