جزأرة الدراما التركية بين ملء الفراغ والمغامرة

أمام شح الإنتاج المحلي، والرغبة في تلبية طلبات وأذواق المشاهد، توجهت تلفزيونات خاصة في الجزائر، إلى دبلجة أعمال درامية تركية باللهجة الجزائرية، في خطوة أقرب منها للمغامرة أكثر منها لملء الفراغ الرهيب في هذا المجال.
الخميس 2016/12/08
الدراما التركية تتكلم العامية الجزائرية

يروج القائمون على تجربة دبلجة الدراما التركية إلى اللهجة الجزائرية والتي توجهت إليها بعض القنوات التلفزيونية الجزائرية الخاصة في الآونة الأخيرة، لسعيهم إلى تسويق اللهجة الجزائرية إلى العالم العربي، إلاّ أن سمة التقليد لتجارب دول المنطقة، ومخاطر السقوط في نمطية ملء الفراغ تبقيان قائمتين، في ظل غياب معطيات دقيقة وحقيقية حول قبول وتفاعل الجمهور الجزائري مع الدراما التركية بلهجة لم يألف متابعتها على شاشات التلفزيون في شكل مسلسلات طويلة.

وكشف المدير التجاري في قناة “الشروق” الجزائرية الخاصة، سمير بوجاجة، في اتصال لـ“العرب”، أن فكرة الخوض في تجربة دبلجة الدراما التركية باللهجة الجزائرية، جاءت من تجارب ناجحة نفذت في كل من المغرب وتونس، وتركت انطباعا مريحا وتفاعلا كبيرا لجمهور البلدين مع عدة أعمال تابعها الجمهوران المغربي والتونسي بلهجتيه.

ويضيف “القناة شرعت في بث مسلسل ‘إليف’ وعنوانه الأصلي رغم الأحزان، والانطباعات الأولية جد إيجابية، ولا أعتقد أن طبيعة اللهجة الجزائرية الموصوفة بالخشنة والهجينة ستكون عائقا أمام متابعة المشاهد للتجربة، وقد اجتهدنا في العمل في ما يعرف دراميا باللغة الثالثة، أي الدارجة القريبة من الفصحى، المستلهمة من لغة المخرج الراحل مصطفى بديع، صاحب رائعة مسلسل الحريق، وهي لغة مفهومة ومستوعبة في مختلف جهات البلاد”.

ويؤكد بوجاجة “الجمهور الجزائري كغيره من الجماهير العربية شغوف بإبداعات الدراما التركية، وتابع مختلف الأعمال على مختلف الشاشات بلهجات شامية متنوعة، وحتى الجمهور الشامي له لهجات متعددة، إلاّ أن ذلك لم يكن عائقا أمام الدبلجة، ومعيار النجاح والفشل يعود إلى الأعمال نفسها، وليس إلى الهجات واللغات التي تدبلج إليها”.

وتعد تجربة قناتي “الشروق” و“النهار” الأولى من نوعها في الجزائر، حيث تَعوّد المشاهد الجزائري على متابعة الأعمال الدرامية في التلفزيون الحكومي أو الشاشات العربية بلغاتها الأصلية أو المترجمة، المنتجة في كبريات الأستوديوهات العالمية، على غرار المسلسلات الميكسيكية والمصرية والسورية وحتى الآسياوية، قبل أن تكتسح الدراما التركية الفضاء وتصبح الاهتمام الأول للمشاهد الجزائري المتابع للدراما.

فوارق تقنية وفنية ترهن نجاح تجربة دبلجة الدراما التركية إلى الجزائرية، وتجعل منها مغامرة محفوفة بالمخاطر

وفي منافسة غير معلنة بين القناتين اللتين تهيمنان على نسبة متابعة معتبرة من الجمهور الجزائري، شرعت “الشروق” في بث مسلسل “إليف”، فيما شرعت قناة “النهار” في دبلجة مسلسل “العشق الأسود”، وهي تجربة يلفها الكثير من المغامرة، بالنظر إلى افتقار البلاد إلى استوديوهات صناعة الدراما والسينما وحتّى الترجمة، فضلا عن تعلق مخيال المشاهد الجزائري بالأعمال المصرية والسورية والتركية المدبلجة باللهجات المشرقية على الشبكة البرامجية للقنوات الجزائرية الخاصة والحكومية.

وفي هذا الشأن أكد مدير الإنتاج في قناة “الشروق” لـ“العرب”، أن التلفزيون أخذ جميع المسائل في الحسبان، والعملية تتم في الجزائر بالتنسيق مع شركة تركية مختصة، في رصيدها الكثير من الأعمال، وقد استقرت خلال الأشهر الأخيرة في العاصمة، بما يعني أن شراكة غير معلنة بين الطرفين تريد الاستثمار في السوق الجزائرية، ولا يستبعد التحضير لمفاجآت قادمة.

وعزا المتحدث خوض التجربة إلى افتقار الساحة المحلية إلى الإنتاج الدرامي، وارتباط العمل بالموسم الرمضاني، الأمر الذي دفع بالقائمين على الدائرة الإنتاجية في القناة، إلى التفكير في ملء الفراغ واستقطاب المشاهد الجزائري عبر تجربة جديدة.

إلى ذلك تحدثت مصادر مطلعة عن أن هاجس المنافسة دفع إدارة قناة “النهار” إلى الاستعانة بفريق العمل الإعلامي والتقني للمساهمة في دبلجة مسلسل “العشق الأسود”، رغم مخاطر الفشل في التجربة، إلاّ أن مصدرا من القناة ذكر بأن المبادرة بحاجة إلى هكذا مغامرة من أجل تسويق اللهجة والثقافة الجزائريتين إلى الخارج، وأن العملية يقوم بها طاقم شبابي بنفس التقنيات المعمول بها في الأستوديوهات المختصة في هذا المجال، ورغم نقص الخبرة لدى المدبلجين إلاّ أنّ الطاقم رفع التحدي، كما رفعته سابقا القناة في أمور وجوانب كثيرة.

ويرى مختصون أنه فضلا عن عائق اللهجة الجزائرية في احتواء الحكي الدرامي، نظرا إلى تأثرها بالتطورات الاجتماعية والثقافية والموروثات الخارجية المتراكمة منذ قرون، إلاّ أن رد فعل المشاهد مفتوح على كل الاحتمالات، فبين مؤشرات التفاعل والنجاح التي يلمـح إليها القائمون على التجربة، تبرز إشكالية تعلق ذلك المشاهد بمتابعة الدراما التركية باللهجة المشرقية على تباينها.

16