جزائري وبلجيكي يختطفان جثمان شارلي شابلن

الأحد 2014/10/19
المخرج بوفوا مع فريق الممثلين في فيلمه "ضريبة الشهرة"

يعود المخرج الفرنسي زافييه بوفوا إلى السينما بعد أربع سنوات من حصول فيلمه السابق “عن الآلهة والبشر”Of Gods and Men على جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان كان عام 2010، وهو الفيلم الذي يصور مقتل ستة من الرهبان الفرنسيين في الجزائر على أيدي جماعة من الجماعات الإسلامية المسلحة.

كان الفيلم السابق يتدرج في أسلوبه السينمائي من الطابع شبه التسجيلي وشبه الدرامي، إلى الأسلوب الشاعري الرقيق الذي يجسد تدريجيا طابع “المأساة”، ثم يتركز حول فكرة التضحية، والاختيار، والقدر، والاستعانة بالله في مواجهة الشدائد، والقبول بحكمه، وبما ينزله على عباده.

أما الفيلم الجديد”The Price of Fame ” أي “ثمن الشهرة” وإن كنا نجد أن التعبير الأصح هو “ضريبة الشهرة”، فهو أقرب إلى الكوميديا، ويصور قيام شابين بحفر قبر شارلي شابلن عقب وفاته بفترة وجيزة، واختطاف الجثمان داخل النعش، وإعادة دفنه في إحدى غابات سويسرا، ثم مطالبة عائلته بدفع فدية مالية لإعادته، وما يترتب على ذلك من مفاجآت وعواقب. وهي قصة وقعت فعلا، ولكن المخرج جعل الشاب الأول عاملا جزائري الأصل لديه ابنة يريد أن يدفعها للتعليم وزوجة مريضة، والثاني كان بلجيكيا محتالا خرج لتوّه من السجن، لكنه طيب القلب يريد أن يساعد صديقه. وبالتالي فإن الفيلم مأخوذ عن واقعة حقيقية وقائعها محفوظة لدى البوليس السويسري.

ورغم طابعه المأساوي، ينجح بوفوا في جعل الفيلم قريبا من المتفرج بطرافته ومرحه، كما يجعل منه تحية إلى شابلن الذي يحتفل العالم بمرور 150 عاما على مولده، فهو يوازي بين الشابين الفقيرين في الفيلم وبين شخصية “شارلو” الصعلوك، دائما في أفلامه!

يشارك في الفيلم الممثل الجزائري الأصل رشدي زيم في دور أحد الشابين، والممثلة والمخرجة اللبنانية نادين لبكي في دور زوجته، أمام الممثل الفرنسي الكبير بينوا بولفورد فيقوم بدور الشاب الآخر.


النعش المسروق


حول مشروع فيلم “ضريبة الشهرة”، يقول المخرج: ببساطة، بدأت الفكرة يوم كنت وزوجتي نشاهد فيلم “أضواء المسرح”Limelight (1952) وكان هذا قبل 5 سنوات من فيلمي السابق “عن الآلهة والبشر”. ربما يعتقد المرء أنه يعرف شابلن لكن في كل مرة نشاهد أفلامه نكتشف الكثير من الأفكار. عندما بدأ شابلن العمل لم تكن السينما قد تأسست بعد، ولم يكن الفيلم وقتذاك يزيد عن دقيقتين. وكان شابلن أول من اكتشف إمكانيات السينما. وهذا ما دعاني إلى أن أضع في فيلمي لقطة له وهو يمسك جاروفا ويحفر في أساسات أستوديو شركة الفنانين المتحدين، والجاروف يشبه ما سيستخدمه الشابان في فيلمي لحفر قبره. وربما من صورة شابلن وهو يحفر أساسات الأستوديو السينمائي، جاءتني فكرة النعش المسروق.

بوفوا نجح في جعل الفيلم قريبا من المتفرج


فكرة الفيلم


وحول ما إذا كانت القصة مكتملة في ذهنه منذ البداية، يقول: “كلا. كانت لديّ فكرة عامة عنها فقط. ولم يكن لدى زوجتي -التي قامت بمونتاج الفيلم- أدنى فكرة عنها، بل كانت تعتقد أن في الأمر مزحة. لقد توفي شابلن يوم الاحتفال بالكريسماس عام 1977 في ضيعته في الريف السويسري. وبعد دفنه بثلاثة أشهر خطرت على بال اثنين من المهاجرين الفقراء، أحدهما بولندي والثاني بلغاري، فكرة سرقة نعش شابلن ومطالبة عائلته بفدية مالية. وقد قلت لنفسي: حقا.. لدينا فكرة فيلم هنا”.

ولكن هل كانت أفلام شابلن مهمة بالنسبة إليه؟ يقول: “بالطبع، فعندما تكون شابا هناك أبطال تعيش معهم مغامراتهم مثل فانتوماس وطرازان.. وغيرهما. ولكن عندما تكتشف شابلن فإنك تجد نفسك أمام معلم كبير. وهذا ما أردت أن أصوره في الفيلم، شابلن العبقري الممثل والمخرج. هناك بعض اللقطات من فيلم “أضواء المدينة” (1931)، ومقطع من فيلم “العلاج” (1977)”.


أرشيف الأسرة


كيف كانت الخطوة الأولى بعد أن قرر بوفوا إخراج فيلم عن تلك القصة الغريبة؟ يقول المخرج: “كان ضروريا أن أبحث في تفاصيل القصة. اتصلت بصديقي جان إريك تروبات الذي يعمل في الشرطة وسبق أن تعاون معي في كتابة سيناريو فيلم “الضابط الشاب” (2005)، وبفضله تمكنت من الاتصال بالشرطة السويسرية. وقد اشترط السويسريون لمساعدتنا الحصول على موافقة عائلة شابلن. واتصلت بالعائلة وجاءت الموافقة فورية وغير مشروطة. ولا شك أن نجاح فيلمي السابق “عن الآلهة والبشر” جعل الأمر أسهل. لقد أتاحوا لي الفرصة للاطلاع على أرشيف الأسرة، وتمكنت من قراءة المراسلات بين لصوص جثمان شابلن وأرملته أونا شابلن، بل وشاهدت أيضا المكان الذي أعيد دفن الجثمان فيه.

في الفيلم تواجه عائلة شابلن الأمر بهدوء شديد. ولكن الحقيقة تقول إنهم كانوا يشعرون بالتوتر. لقد تطور الأمر أكثر فأكثر، وهدد خاطفا النعش بإطلاق الرصاص على أطفال شابلن، الذين كانوا يشعرون بالفخر وهم يذهبون إلى المدرسة في حماية الحراس.


مقبرة حقيقية


وأسال بوفوا: هل المقبرة التي نراها في الفيلم هي مقبرة شابلن الحقيقية؟ وجوابه كان نعم، لقد قمنا بالتصوير من على مسافة 12 مترا من المقبرة. كنت أحيانا أشعر بأن هناك من يراقبني. وكنت أقاوم الرغبة في الالتفات للخلف. المقبرة بسيطة للغاية. وليس عليها سوى شاهد محفور عليه كلمتان فقط هما “شارلي شابلن” دون حتى لقب “سير”. فحتى منزله الكبير يتميز بالبساطة.

شابلن أول من اكتشف إمكانيات السينما

وفي ما يتعلق بالمشاكل التي واجهته في إعادة تجسيد أجواء السبعينات، يقول إن أولها حرصه على تجنب إغراق المشاهدين في الكثير من تفاصيل الفترة. لقد عشت تلك الحقبة، ولم أشأ أن أرى الكثير من “السينما”. بالطبع كان يجب أن يكون كل شيء دقيقا: السيارات، الملابس، الشاحنات وغيرها. ولكن هذه التفاصيل كان يجب أن تبقى خافتة لكي تعطي الانطباع للمتفرج بأنه أمام قصة تحدث اليوم رغم أنها تنتمي إلى الماضي. على سبيل المثال كنت أريد أن يرتدي البطلان: إيدي وعثمان، ملابس تبدو مألوفة بالنسبة إلى المشاهدين. كنت أريد أن أعيد تجسيد ملامح الفترة ولكن دون مغالاة في التفاصيل.


ممثلان عظيمان


هذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها فيلما تدور أحداثه في الماضي، وفي الوقت نفسه هو أول فيلم كوميدي لك. نعم يقول بوفوا، كنت أرغب في هذا منذ وقت طويل. من الصعب كثيرا أن تجعل أحدا يضحك. أعرف ذلك. الأمر يتطلب شجاعة. يجب أن تتمتع بالقدرة على المخاطرة. كان هناك حس كوميدي أيضا في بعض أفلامي السابقة ولكن مجرد مرح عادي، كان إحساسا بالمرح مستمدا من الشخصيات في لحظات معينة من قلب الأحداث خاصة عندما تتعقد المواقف. أما في فيلم “ضريبة الشهرة” فقد كان من الضروري أن تنبع الكوميديا من الفيلم لا أن تكون مجرد لمسات كوميدية في الفيلم.

يقوم الممثل رشدي زيم بدور عثمان الساذج، ويقوم بينوا بولفورد بدور إيدي، الأحمق. من أين جاءت فكرة الاستعانة بهذين الممثلين؟ يقول بوفوا: إنها ممثلان عظيمان ومختلفان تماما. رشدي مثل سيارة رولز رويس يقودها سائق، أما بينوا فهو مثل سيارة من نوع بورش تيربو. رشدي هادئ للغاية. لقد بدأ التفكير في الدور قبل بدء التصوير بمدة. وقد تقمص شخصية عثمان وكان يعيشها بالكامل. وطالما أنني لم أنطق بكلمة “قطع” كان ينسى تماما أنه رشدي ويستمر في عيش شخصية عثمان. وكان مستعدا دائما للتعامل مع أي موقف قد ينشأ أثناء التصوير. وعندما ينتهي التصوير كان يترك شخصيته “في غرفة المـــلابس” حسب التعبير الأثير لديه!

كنت في حاجة إلى ممثل استثنائي للقيام بدور “إيدي” وعلى الفور فكرت في إسناد الدور إلى بينوا الذي لم أكن أعرفه شخصيا، وقد أرسلت إليه السيناريو، وبعد يومين كان في منزلي في نورماندي وبدأنا نناقش السيناريو. لم أكن أتخيل أننا سننسجم معا إلى هذه الدرجة. لقد عثرنا على بعضنا البعض فعلا. وهذا الانسجام بين المخرج والممثل أساسي.

كان يكفي أن أطلب من بينوا أن يقوم بحركة ما مضحكة في موقف معين، وكان يفعل على الفور، كما في المشهد الذي يدور في كابينة التليفون عندما يقرص أنفه. ولو كان المشهد نفسه مع ممثل غيره، فلن يكون المشهد مضحكا.


سيرك قديم


وحول الكيفية التي صور بوفوا فيها المشاهد التي تدور في السيرك، قال مكان التصوير كان سيركا حقيقيا مشهورا جدا في سويسرا هو “سيرك نوك”، وكان أصعب الأشياء التي واجهتها العثور على أشياء قديمة تصلح للتعبير عن فترة نهاية السبعينات. ولحسن الحظ كان هذا السيرك قد احتفظ بمخلفاته القديمة مثل الأقفاص والحواجز والشاحنات التي تنقل الحيوانات وغرف الملابس. وكان إيوجين، أحد أبناء شابلن، هو الذي قام بالاتصال بهم لأجل الفيلم. لقد عمل مديرا للسيرك من قبل. وقد وجدت أنه شخص لطيف للغاية فقمت بكتابة دور خصيصا له في الفيلم.

16