جزائري يعيد كتابة شخصية كتبها ألبير كامو

الأحد 2014/08/10
روائي جزائري يثأر من صورة العربي في "الغريب"

كمال داوود، صحفي جزائري بجريدة “يومية وهران” وكاتب، اشتغل على أكثر كتب ألبير كامو شهرة، “الغريب”، وأصدر بالجزائر، أول كتاب له بعنوان “مورسو، تحقيق مضاد” منشورات “برزخ”، 2013، وتصدر الطبعة الثانية بفرنسا بمنشورات “آكت سود”، 2014. إنها قصة هارون أخو إحدى أهم شخصيات رواية ألبير كامو، الذي كان يلقبه بـ”العربي”.

عن نشأة فكرة هذا التحقيق المضاد وتبلورها في كتاب، يستذكر كمال داوود حين استضافه محمد قاسي، منشط برنامج “مغرب أوريون إكسبرس″، أنه قرر تأليف هذا الكتاب، لأنه تأثر، بل صُدم بالتهميش التام الذي طال الشخصية الرئيسة لرواية “الغريب”، بطل القصة الذي سيموت في النهاية، ويكون الضحية.

ويضيف الكاتب أنه منذ حوالي سنة، وقع الاحتفال بالذكرى المئوية لألبير كامو، وقد تم تخليد ذكرى العديد من شخصياته، وتم بشكل عام التحضير والتفكير في كل شيء، لكن دون الحديث عن شخصية “العربي” في رواية “الغريب”. ويؤكد أن ذلك كان بمثابة محفز له لاستثمار ذلك المؤلَّف العجيب والأوسع خيالا، الذي طبع تاريخ الأدب الفرنسي بشكل كبير.


تحقيق مضاد


داوود يعيد الحكاية من جديد، لكن من وجهة نظر أخ البطل الذي عاش المعاناة، والذي كان يعيش دوما تحت ظل أخيه، وعند وفاته سببت له الفاجعة شبه صحوة ذهنية، وراح يبحث عن محاولة ليفهم ما جرى. إنه بهذا الصنيع يتوق لرد الاعتبار لروح أخيه، وليعطيه اسما. في الواقع، كأنه يجري محاكمة حول جريمة قتل، بحثا عن العدالة، وليثبت للجميع أن أخاه كان موجودا هناك بالجزائر، ويجسد الحضور الجزائري. إنه مؤلَّف في شكل تحقيق مضاد، ينطلق من الحيثيات التي أوردها كامو، لكنه لا يجعلها أساسية من حيث المبدأ.

يقول الراوي في إحدى مقاطع الكتاب: “أنا أعرف هذا الكتاب حق المعرفة، وأحفظه عن ظهر قلب، ويمكنني أن أستظهر به كله على مسمعك كما أستظهر القرآن. هذه القصة كتَبتْها جثة ولم يكتبها كاتب (…) كان عليّ أن أتعلم لغة أخرى غير هذه، لكي أبقى على قيد الحياة. الكتب ولغة بطلك منحتني بالتدريج، إمكانية تسمية الأشياء بشكل مغاير، وأن أُنَظّم العالم بكلماتي الخاصة”. بتوالي صفحات الرواية، ينتابنا إحساس أن كمال داوود لا يعمد إلى تخليد الأيقونة المدللة أو المرفوضة، بل إلى تخليد الأدب الكوني واللغة الفرنسية.


أسلوب الرواية


من خلال الأسلوب الذي كتبت به الرواية، يلمس القارئ أنه أكثر من سرد جدلي، بل هو استعراض للغة، يوظف البلاغة، ويسبر غور الكلمات. نعم، كأنها مرافعة أمام قاضي الأدب، تستدعي الحجة والإقناع، ولهذا كان على محامي النفي أن يكون أسلوبه وبرهانه أقوى من أسلوب وبرهان محامي الإثبات. وكمال داوود يعترف بذلك مشيرا إلى أنه وُلد عشر سنوات بعد الحرب، لكن اللغة الفرنسية، بالنسبة إليه، ليست مجرد غنيمة حرب، بل هي المِلكية الشاغرة التي تَمكّن من خلالها من ممارسة حقه في الخيال والشرود، بعيدا عن لغة الخطاب الذي تلقاه بالصفوف المدرسية. فلطالما كان الخضوع للمناهج الدراسية، شأن كل تلميذ نجيب، يكبح جماح المجاز، ويلجم الخيال والإبداع.

داوود يخلّد الأدب الكوني


العلاقة بكامو


في خضم هذا الاعتراف، وعن صيرورة علاقته بـألبير كامو، يقول كمال داوود “إنه في البداية، وحتى سن العشرين، كانت علاقتي بألبير كامو علاقة سليمة، لنقل إنها كانت علاقة حسن الجوار، لكنها توطدت بشكل كبير بعدها، حين حدث التلوث الفكري الذي زادت انتشاره العدوى من خلال الخطاب السياسي، وبدأ الحديث عن محاكمة كامو، وهل كان مع أم ضد؟ وهل حمل السلاح؟ ألم يُدِر ظهره؟ والعدالة من وجهة نظره، ووالدته. وغيرها من الأطروحات المفرغة”.

يثير المؤلَّف أيضا، إشكالية الهوية، باستعمال أسلوب تمويه مقَنَّع، يحمل بطريقة عجيبة، نوعا من التأمل في الوضعية الراهنة للجزائر. حين تثار هذه النقطة، يلفت كمال إلى أنه يجد نفسه مرغما على أن يخوض في حديث لا يستسيغه كثيرا، وهو النقاش حول الهوية، ويؤكد قائلا: “هذا التساؤل يطرح نفسه، سواء بالنسبة إليّ أو بالنسبة إلى الشخصية التي بالرواية، فتكون أسْود لأن هناك الأبيض، وتكون عربيا لأن هناك الفرنسي الذي يصدر حكما علينا، لكن بمجرد أن يغادر الفرنسي نتساءل: من نحن؟ إنه، نوعا ما، السؤال الذي حاولتُ التنقيب عن حيثياته، والاشتغال عليه بكتابي هذا”.

بعيدا عن موضوع الرواية، يحرر كمال داوود عمودا يوميا بـ “لو كوتيديان دوران” (يومية وهران)، الجريدة الأكثر قراءة بالجزائر، ومقالاته تثير الجدل دوما. يقال عنها إنها حادة وثاقبة، خاصة تلك التي تناولت إعادة انتخاب الرئيس بوتفليقة في السابع عشر من أبريل. نذكر من بينها مقالا بعنوان “النظام الجديد للإخوة بزمام الحكم”، حيث يفرّق بين مرحلتي ما قبل الاقتراع وما بعده. يقول الكاتب: “إن النظام الآن، يحس أنه يمتلك السلطة، وكذلك الشرعية الانتخابية، ويستمد ذلك ويرسخه، نوعا ما، بفضل التغطية الإعلامية العالمية والفرنسية على الخصوص”.

يعتبر داوود أنه من العجيب أن تبدي وسائل الإعلام اهتماما كبيرا، وتغطية مكثفة لمرحلة ما قبل الاقتراع، لكنها بالمقابل، وبشكل لا يصدق، خمدت، بل تجمدت بشكل تام بعد ذلك، في نوع من اللامبالاة حول ما يقع بالجزائر. هذا لا نستشفه بشكل مادي في الواقع، لكن الشعب الجزائري بدأ يستشعره شيئا فشيئا، في الوسط الإعلامي وفي مراكز القرار.

يؤكد الكاتب أن هناك نوعا من إعادة توزيع الأوراق، هناك تجديد نوعي، هناك مراكز قرار تتجذر وتصبح شيئا ما، أكثر سلطوية، وهناك بالمقابل مراكز أخرى، تفقد تأثيرها ونفوذها على الساحة السياسية. لقد ابتدع النظام حملة دعاية بدهاء شديد، تضمن النجاح لمرشح لا يخوض حملة انتخابية، إذ تم فيها الاعتماد على دعم شعبي أفرزته رسالة قوية، تستغل الوضع السوري الحالي وذكريات جبهة الإنقاذ، لاستمالة الشعب الجزائري. مفادها أن الديمقراطية مرادف للفوضى والشتات. لكن وقع أيضا، من جهة أخرى، اعتماد الزبونية والمنح المالية بشكل كبير. فحين تشب مظاهرات، كتب كمال داوود، لا يكون شعارها “ارحل” و إنما ” اقتسم و لا تبخل”.

14