جزائري يفوز بلقب أفضل مخرج في العالم العربي

السبت 2013/11/02
على السطح تطفو كل المشاكل

لكل مشهد في فيلم "السطوح" للمخرج الجزائري مرزاق علواش، -والحاصل على جائزة أفضل مخرج في العالم العربي في إطار الدورة السابعة لمهرجان أبوظبي السينمائي-، دلالاته المتعددة، لذا يصعب الإمساك بتلابيب جمالياته كفن وفكرة.

نقل المخرج الحياة بكل تعقيداتها وصراعاتها وقضاياها من الشارع الذي بدا بعيدا، غير معني إلا باستقبال الجثث المنتحرة، ومن المقاهي والأندية وأماكن العمل وغرف البيوت وغير ذلك مما له جدران وسقف، إلى السطوح المفتوحة على السماء، وكأن الرسالة التي يحملها الفيلم ويريدها المخرج نداء ودعوة موجهة إلى السماء، لترى وتشهد على ما يرتكبه البشر نساء ورجالا من جرائم وحماقات بحق بعضهم البعض، لعلها تتدخل لإنقاذهم، وإصلاح ذات البين بينهم، لكن هيهات، ويشير إلى ذلك بنداء الصلاة في الأوقات الخمسة في أحياء خمسة من أحياء الجزائر العاصمة، يبدأها بأذان الفجر من مآذن حي السيدة الأفريقية، حيث تبدأ عملية تعذيب لأخ تحت إشراف أخيه، تتواصل طوال اليوم وتنتهي بموت هذا الأخ وقتل ثلاثة آخرين، هم طاقم تلفزيوني دفعه حظه السيئ إلى هذا المبنى المطل سطوحه على البحر، جاء ظهرا إلى المبنى لتصوير برنامج تلفزيوني ليقتل جميع أفراده مع أذان العصر، وظل ذلك دون أن تتبين أسباب النزاع، فقط كان يراد من الضحية توقيع ورقة قبل عودته إلى فرنسا.


فقر وقتل


يقدم علواش نموذجا مصغرا لما يجري في المجتمع الجزائري يعري فيه التناقضات ويؤشر على التآكل الذي يضرب عمق العلاقات الإنسانية، وكل ذلك تحت وطأة الفقر والقمع الاجتماعي والديني، وما يترتب على ذلك من قسوة متبادلة بين أفراده، هذا على الرغم من انفتاح الكاميرا على الطبيعة حيث البحر المتوسط بأمواجه وانفتاح الأسطح على السماء وامتلائها بالهواء والشمس، لكن هذه الطبيعة كالحاضر الغائب تظل بلا دور.

يتنقل علواش بين الأسطح الخمسة لتبدأ أحداث قصصه مع أذان، وتتداخل الأحداث لتعزف مآسي هذا المجتمع من أذان الفجر حتى الأذان الأخير لصلاة العشاء، في ظل غياب واضح لملاك الأسطح والأمن. هناك على سطوح "حي باب الواد" يفتح على مشهد لفتاة مشعثة الشعر تدخن المخدرات وترتدي ملابس بالية، هي جزء من أسرة فقيرة متكونة من سيدة مسنة وشاب، هذه الأسرة تتحول في النهاية إلى قاتلة، حين يأتي صاحب العقار مطالبا إياها بالرحيل لأن وجودها لم يعد قانونيا، يشتبك الشاب مع الرجل عقب شجار لفظي، فتنهال عليه الفتاة بوعاء ليسقط ميتا، ليأتي ابنه بحثا عنه ثم والد زوجته رجل الأمن "العم العربي" الذي ينصح المرأة بأن تحمل جثة الرجل مع ابنتها وابنها لإلقائها في البحر. وفي سطوح حي القصبة رجل "رشيد" لم يكشف إلا عن جانب من وجهه، مسجون ومكبل بسلاسل حديدية في قفص خشبي يشبه "عشة الفراخ"، يقدم له الغذاء مرة من جانب سيدة مسنة ومرات من جانب طفلة، تطلب منه هذه الطفلة التي تتعاطف معه في إحدى المرات أن يحكي لها ما حدث، فينطلق في الحكي عن بطولات حرب الاستقلال ومواجهة العسكر، وبطولة المقاومة ثم سرعان ما "يهتاج" مخبطا السلاسل الحديدية في أركان القفص، فتأتي السيدة وتعنف الطفلة التي في النهاية ستصعد له وتعطيه مفتاحا وسكينا ليحرر نفسه.


نساء مختلفات

على هذه السطوح أيضا هناك هذا الشاب الملتحي الذي يبدو أنه يدير تنظيما سريا من شباب الحي، يستقبل أعضاءه أسبوعيا قبيل أذان المغرب، حيث يصلي بهم أحد الشيوخ ثم يخطب فيهم، وها هو يخطب مشيدا بالرئيس الليبي معمر القذافي واصفا إياه بالمناضل الشهيد.

على سطوح جزائر الوسطى نستقبل تلك الفتاة التي تعزف وتغني بينما تنتظر فرقة موسيقية من ثلاثة شبان لعمل بروفة على أغنية جديدة، في السطوح المقابلة تقف ليلى التي اعتادت أن تتواصل بالنظر دون كلام مع تلك الفتاة، حتى أن الأخيرة كانت تتشكك فيها، يأتي شباب الفرقة ويبدأ الغناء فيما ليلى على الجانب تستمتع بما يجري، حتى يدخل إلى سطوحها من يمسك بها ويضربها بعنف مفرط في قوته، وهنا تصرخ وتتشاجر مع أصدقائها بسبب رفضهم الذهاب للدفاع عن ليلى، وفي النهاية ومع أذان المغرب تقف ليلى على سور العمارة وتلقي بنفسها منتحرة.

وعلى سطوح حي بلكور الذي يقطن غرفته التي تطل منها صور النساء العاريات شخص سكير، يأتي إليه الشيخ الأمين لكي يستأجرها منه، لكي يعالج أحد مرضاه الممسوسين، بالفعل تأتي امرأة منتقبة يأخذها ويدخل إلى الغرفة، فيما يتلصص عليه هذا الشخص، لنرى المرأة وقد خلعت النقاب وبقيت بقميص النوم، يسألها الشيخ عن زوجها فتقول لا يقدر، ومن هنا يبدأ في ضربها قائلا "اخرج يا ملعون".

لقد أحسن علواش الفكرة وقبض بشكل رائع على جمالياتها ومضامينها الإنسانية التي تؤكد أن المجتمع ممزق، وأن جزءا من مواطنيه لا يزال مكبلا بالسلاسل مقموعا ومسجونا في قفص، وأن تحرره ربما رهنا بجيل أكثر نقاء.

20