جزر سقطرى اليمنية محطة أخرى لصراع النفوذ الإقليمي والدولي

الجمعة 2015/08/14
السفن البحرية الإيرانية تتربص بالجزيرة وتبحث عن مستقر على موانئها

سقطرى (اليمن) - يمثل أرخبيل جزر سقطرى الذي يقع في نقطة التقاء المحيط الهندي مع بحر العرب مع باب المندب قبالة شاطئ مدينة المُكلا في جنوب اليمن (300 كم) وشواطئ الصومال (80كم)، نقطة إستراتيجية بحرية شديدة الأهمية، جعلته في مرمى الأطماع الإيرانية التي لا تتواني في البحث عن موطئ قدم لها يساعدها على توسيع نفوذها في المنطقة برّا أو بحرا، وفق دراسة للباحث ابراهيم أنور صادرة عن المركز العربي للبحوث والدراسات.

وقد أصبحت سقطرى فجأة محط أنظار الإيرانيين، وغيرهم من القوى الإقليمية والدولية، لأسباب مختلفة منذ قيام ثورة 2011 في اليمن، فبعد سقوط علي عبدالله صالح الذي عقدت معه الولايات المتحدة صفقة في العام 2010 تقضي بمنحها تسهيلات غير مسبوقة في الجزيرة لإقامة قاعدة عسكرية، وراحت حينها تعمل بسرعة وفي تكتم شديد على الانتهاء من تشييد البنية الأساسية الضرورية لتلك القاعدة، أعلنت روسيا من ناحيتها أنها لن تتنازل عن رغبتها في إقامة قاعدة عسكرية لها في الجزيرة كذلك.

وكانت روسيا منذ استقلال اليمن الجنوبي عن بريطانيا وتأسيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قد تمتعت بامتيازات بحرية في عدن وسقطرى، لكن هذه الامتيازات لم تلبث أن تقلصت كثيرا بعد الوحدة اليمنية عام 1990، وهي الوحدة التي رافقت سقوط الاتحاد السوفييتي.

واعتبارا من يناير 2010 وحتى الآن شهدت جزر أرخبيل سقطرى عددا من التطورات التي تحدد إلى درجة كبيرة شكل وطبيعة الدور الذي تلعبه هذه الجزر في السياسة اليمنية، وفي التوازنات الجديدة في غرب المحيط الهندي وباب المندب وبحر العرب ومضيق هرمز.

وانطلاقا من مبدأ أن من يملك السيطرة على المحيط الهندي يملك مفاتيح النفوذ في المحيط الهندي يستطيع أن يكون المهيمن على مفاتيح السيطرة على البحار السبعة الرئيسية في العالم (تجاريا وعسكريا)، فإن الولايات المتحدة أدركت منذ بداية القرن الحالي أهمية مضيق باب المندب وبحر العرب ومضيق هرمز وجزيرة سقطرى.

إيران تسعى منذ مدة إلى بناء قوة بحرية إقليمية تكون قادرة على تأكيد دور قيادي لطهران في منطقتي الخليج وشرق البحر المتوسط

وتعتبر الجزيرة بشكل خاص مفتاحا مهما من مفاتيح الصراعات الجديدة في القرن الواحد والعشرين المتعلقة بمواجهة تهديدات الإرهاب والقرصنة للسلام العالمي.

وعندما وضعت الولايات المتحدة إستراتيجية عالمية لمكافحة الإرهاب، فإنها سعت في هذا السياق إلى التعاون مع الحكومة اليمينية من أجل محاصرة وضرب أنشطة تنظيم القاعدة في اليمن. وفي هذا السياق تم الاتفاق مع الرئيس اليمني علي عبد اللـه صالح على التعاون المشترك في أعمال مكافحة تنظيم القاعدة، وعقدت صفقة الجزيرة على إثر ذلك الاتفاق.

وقد أثارت تلك الصفقة ردود فعل كثيرة في الدوائر المعنية بالصراع الدائر في المحيط الهندي. وأصدرت البحرية الروسية حينها بيانا أكدت فيه أن روسيا لن تتخلى عن خططها في امتلاك قواعد بحرية لسفنها في الجزيرة اليمنية.

تتكون سقطرى حاليا من مديريتين هما مديرية حديبو وبها العاصمة مدينة حديبو ومديرية قلنسية وعبد الكوري وهي أقل أهمية من الأولى. وتمتد الجزيرة من رأس مومي في أقصى الشرق إلى رأس شوعب في أقصى الغرب إلى الشمال من خط الإستواء.

وقد تبلور وعي لدى القيادة الإيرانية، على وقع هذا الصراع الأميركي الروسي على الجزيرة اليمنية، أساسه الاستفادة قدر المستطاع من ذاك المكان الاستراتيجي خدمة لمشروع طهران التوسعي خاصة أنّ لها أذرعها ومصالحها في اليمن.

وتسعى إيران منذ مدة إلى بناء قوة بحرية إقليمية تكون قادرة على تـأكيد دور قيادي لطهران في منطقتي الخليج وشرق البحر المتوسط. وقد قطعت شوطا كبيرا في هذا السعي عن طريق تطوير قواتها البحرية والقيام بمناورات بحرية وجوية في الخليج العربي وفي مياه بحر العرب والمحيط الهندي.

وقد تواترت أنباء خلال العمليات العسكرية الجارية في اليمن أن البحرية الإيرانية قامت بدور مهم في تزويد قوات المتمردين بالأسلحة والذخائر. وتجوب سفن عسكرية بالقرب من جزيرة سقطرى ومضيق باب المندب بحجة حماية السفن التجارية الإيرانية أثناء عبورها هذه المناطق من وإلى إيران. ومع ذلك فإن البحرية الإيرانية تجنبت الدخول في مواجهات مباشرة خلال الأشهر الماضية مع القطع البحرية العربية التابعة لقوات التحالف العربي التي تساند الرئيس الشرعي لليمن عبدربه منصور هادي.

سقطرى قد تتحول إلى مركز دولي بقيادة الولايات المتحدة يقوم بدور محوري في عمليات مكافحة الإرهاب والقرصنة في إطار تعاون دولي

ومع ذلك فإنه من المتوقع أن تحاول إيران بالاتفاق مع الروس والصينيين توفير قواعد أو تسهيلات بحرية في سقطرى أو في ما حولها بغرض المحافظة على وجود بحري مستمر في هذه المنطقة من العالم.

ويمكن القول بأن الأهمية الإستراتيجية لجزيرة سقطرى سوف تزداد في الفترة المقبلة على خلفية محاولة الأطراف المتصارعة على النفوذ في العالم زيادة قبضتها على مداخل البحار الرئيسية.

وتبدو أهميتها الإستراتيجية واضحة جدا بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية التي قطعت شوطا كبيرا في بناء قاعدة عسكرية قوية هناك. وفي الوقت نفسه فإن الأهمية الإستراتيجية لأرخبيل سقطرى ستزداد أيضا بالنسبة لليمن. وقد ظهر ذلك واضحا من تحويلها إلى محافظة قائمة بذاتها وتعيين قيادات مدنية وعسكرية جديدة لإدارة شؤونها. وفي أحدث تطور فقد أصدر الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي المرسوم رقم 71 لسنة 2015 والذي يقضي يتعيين العقيد الركن محمد علي الصوفي قائدا للواء أول بحري اليمني الموجود في الجزيرة وترقيته إلى رتبة العميد وتعيين العقيد الركن ناصر عبد الهادي رئيسا لأركان حرب اللواء أول بحري في الجزيرة.

وعلى الصعيد نفسه فإن أطرافا عربية ستحاول أن تلعب دورا أكبر في الجزيرة اليمنية التي عاشت تاريخها الحديث بأكمله مهمشة ومعزولة عن الدولة اليمنية إلى حد كبير.

ونظرا للتحديات الحالية التي تفرضها اعتبارات مكافحة الإرهاب ومكافحة القرصنة، فإن سقطرى قد تتحول إلى مركز دولي، بقيادة الولايات المتحدة يقوم بدور محوري في عمليات مكافحة الإرهاب والقرصنة في إطار تعاون دولي. لكن هذا لا يمنع من القول بأنه كلما زادت أهمية الجزيرة من الناحية الإستراتيجية كلما زادت رغبة القوى الإقليمية والدولية في السيطرة عليها والتحكم فيها، إما بالترغيب أو بالترهيب.

7