جزيرة إلفنتين سفينة أسرار وآثار تسبح في قلب النيل

الثلاثاء 2015/03/24
الجزيرة الواقعة قبالة مدينة أسوان المصرية تحتوي على العديد من الآثار الثمينة

في قلب نهر النيل في مواجهة مدينة أسوان بصعيد مصر، أقصى جنوبي البلاد، تقع جزيرة “إلفنتين”، التي يسميها علماء الآثار بـ”جوهرة الجنوب”، لما تحويه من آثار وأسرار عن حضارات تعاقبت على مصر لم يكشف بعضها إلى الآن.

تحتوي جزيرة إلفنتين الواقعة قبالة مدينة أسوان المصرية على العديد من الآثار الثمينة من أبرزها القلعة التي اتخذت كنقطة حراسة للإشراف على حدود مصر الجنوبية وبدأت الحفريات الأثرية فيها بواسطة بعثة ألمانية بين عامي 1906 و1908، ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن يقوم فريق أثري من المعهدين الألماني والسويسري في القاهرة بحفريات علمية منظمة تهدف إلى إعادة اكتشاف آثار الجزيرة وكتابة تاريخها الثري عبر ما يزيد عن 3 آلاف عام.

خالد العناني الخبير المصري في الآثار الفرعونية والمطلع على نشاط البعثات الأثرية في المنطقة، يقول إن بعثة تابعة للمعهد الألماني للآثار بدأت عملها الأسبوع الجاري في الجزيرة الأثرية لدراسة النقوش الأثرية التي تزخر بها وإعادة ترميم آثارها المتهالكة. والمعهد الألماني للآثار هو أحد الجهات العلمية التي يندرج عملها تحت إشراف وزارة الخارجية الألمانية، يقع مركزه الرئيسي في برلين وتمتد فروعه في دول مختلفة للتنقيب عن الآثار وترميمها وكذلك إجراء البحوث الأثرية.

وأوضح العناني أن المصري القديم شيّد منشآته على جزيرة إلفنتين لتكون بمثابة حامية الحدود المصرية الجنوبية مع السودان الذي كان يعرف في ذلك الوقت باسم “بلاد النوبة”.

واستدرك قائلا “هذا لا يعني على الإطلاق أن قدماء المصريين كان لديهم حرص على وضع حدود دولية مع السودان، وكل ما يثار هذه الأيام عن فتح الحدود التجارية بين البلدين لتمرير المنتجات المختلفة بأسعار زهيدة سبق إليه الفراعنة وحققوه منذ آلاف السنين”.

المصري القديم شيّد منشآته على جزيرة إلفنتين لتكون بمثابة حامية الحدود

وأضاف أنه “في جزيرة إلفنتين كان يتم تخزين كل السلع التي توفرها الحملات الفرعونية الموجهة إلى السودان لجلب ما به من منتجات غير موجودة في مصر القديمة كالجلود والعاج والأبانوس”.

ووفقا لذات المصدر، فإن مدينة أسوان المصرية اكتسبت تسميتها من كلمة “السون” وتعني بالهيروغليفية “السوق” نظرا لأنها كانت تضم أكبر سوق تجاري لإعادة تسويق المنتجات السودانية التي دخلت البلاد عبر الحدود.

بدوره لفت المرشد السياحي محمد فهمي الانتباه إلى أن كل البعثات الأوروبية للجزيرة نجحت في ترميم 60 بالمئة فقط من محتوياتها الأثرية .

وأضاف أن المصريين القدماء كانوا يستعينون بأحجار المعابد القديمة لتشييد معابدهم الجديدة، كما كانوا يشيدون المعابد الجديدة فوق القديمة ما صعّب من مهمة إعادة الترميم خوفا من أن تتلف البعثات الأجنبية معابد أثرية لصالح أخرى.

فهمي أوضح أن معبد “الإله خنوم” من أبرز المعابد التي تحتضنها الجزيرة، كونه يعكس أن المصري القديم أول من اعتقد في أن الإنسان مخلوق من الطين. فالإله خنوم الذي كان المعبود الرئيسي في تلك المنطقة أثناء الحقبة الفرعونية كان يعرف بإله الفخّار الذي يصنع الإنسان من الطين، وشيدت الملكة حتشبسوت المعبد تعظيما لشأنه وتقرّبا له.

ومن أبرز مقتنيات الجزيرة الأثرية أقدم هرم تم تشييده في مصر الفرعونية بحسب المرشد السياحي الشاب.

الهرم الذي يبلغ ارتفاعه مترين تم تشييده قبل أن يعرف المصري القديم الكتابة بالهيروغليفية، لذلك فهو مجهول النسب والاسم ولم يستطع علماء التاريخ تحديد من بناه.

ويمنع على السائحين والزوار من رواد جزيرة إلفنتين لمس الهرم أو القرب منه لهشاشته الشديدة.

كل البعثات الأوروبية للجزيرة نجحت في ترميم 60 بالمئة فقط من آثارها

وعن سبب اختيار هذه النقطة الحدودية من أرض مصر لتشييد تلك الجزيرة الأثرية الضخمة، قال فهمي إن ذلك يعكس رغبة المصري القديم في تعريف كل زائر تطأ قدماه أرض مصر بتاريخ مصر الفرعونية من خلال المعابد التي تعكس أيضا تقاليد قدماء المصريين على المستوى الاجتماعي والسياسي والديني.

وبحسب المصدر ذاته فقد شيد المصري القديم جزيرة إلفنتين لتكون حامية مصر الجنوبية، لذلك استخدمت كحصن لتخزين أسلحة الجيش والرماح والسهام ومراقبة حركة التجارة الدولية عبر الحدود، فضلا عن حماية جنوب مصر من مخاطر فيضان نهر النيل .

وعلى مدرجات الجزيرة، حيث يقف السائحون لالتقاط الصور التذكارية تظهر تدوينات المصريين القدماء بأقدم أرقام عرفها التاريخ الإنساني لقياس فيضان النيل بطريقة اصطلح على تسميتها تاريخيا بـ“مقياس النيل”.

ووفقا لهذه الطريقة كان يتم وضع أرقام فرعونية لقياس الفيضان ليتم تحديد قيمة الضرائب التي سيدفعها المصريون القدماء، فإذا بلغ الفيضان مداه وزادت مياهه زادت الضرائب أيضا لأن في ذلك دلالة على وفرة الإنتاج والعكس بالعكس.

20