"جزيرة الذرة" تحفة فنية في مهرجان أبوظبي السينمائي

الجمعة 2014/10/31
الفيل يحكي قصة جد وحفيدة في مواجهتهما للطبيعة

أبوظبي- حسنا فعل مهرجان أبو ظبي السينمائي الدولي عندما نجح في الحصول على حق عرض الفيلم الفائز بالجائزة الكبرى الذهبية في مهرجان كارلو فيفاري الأخير، وهو فيلم “جزيرة الذرة”.

“جزيرة الذرة” فيلم من أفلام السينما الخالصة التي تعتمد أساسا، على تكثيف الحالة، وعلى الوصف السينمائي بالصورة وبحركة الكاميرا، واستخلاص كل ما يمكن من إمكانيات المكان، بذلك الانتقال المحسوب بدقة بين اللقطات، والمزج بين الصورة والصوت والموسيقى في تناغم بديع، وبالصمت والتعبير بالنظرات، وجعل الطبيعة جزءا أساسيا من الفيلم نفسه، من مادته ومن جمالياته، مع استخدام أقل ما يمكن من جمل الحوار.

“جزيرة الذرة” من إخراج المخرج الجورجي جورج أوفاشفيلي في ثاني أفلامه الروائية الطويلة. وفي الفيلم شخصيتان رئيسيتان فقط هما الجدّ العجوز الذي يذكرنا صمته وعلاقته الوثيقة مع الطبيعة ببطل “درسو أوزالا”، فيلم كيروساوا الشهير، والشخصية الثانية هي حفيدته الفتاة الصغيرة التي تصحبه وتطيعه بكل هدوء ودعة وبساطة.

الاثنان انتقلا إلى تلك البقعة الصغيرة من الأرض، التي تقع في وسط نهر أنجوري الذي يفصل بين جورجيا وأبخازيا، في منطقة شائكة تشهد الكثير من القلاقل والاضطرابات والدوريات العسكرية الجورجية والروسية.


جد وحفيدة


مزج رائع بين الكلاسيكية والشعبية في الموسيقى التصويرية للفيلم بفضل براعة إسبو باردانشفيلي

الجدّ وهو أبخازي -لا نعرف له اسما وكذلك حفيدته- يحط رحاله بقارب صغير على هذه البقعة الصغيرة، الجزيرة، يحفر بيده في أرضها، يتشمم التربة، يجدها مناسبة لبدء حياة جديدة تماما كما كان الإنسان يفعل منذ بداية التاريخ..

يريد أن يبذر فيها حبوب القمح التي أتى بها من مكان قريب، تساعده بإخلاص حفيدته، يحفر لها طريقا لسقيها بالماء، يتعرض من حين إلى آخر، لدوريات عسكرية تتشكك في وجوده بتلك المنطقة.

وذات يوم يعثر على شاب جريح من الواضح أنه ينتمي إلى الانفصاليين الجورجيين، وبفطرة الإنسان الطيبة النقية، يسحب مع حفيدته الشابة التي لم تبلغ بعد، جسد الشاب إلى الكوخ الخشبي الذي أقامه بنفسه في تلك الجزيرة الصغيرة، يعالجه ويقدم له الحساء الساخن، إلى أن يسترد قوته، ويقيم الشاب معهما، يختفي عن الأنظار وقت الضرورة حتى لا يقع في أيدي العسكريين الذين يبحثون عنه. والعجوز ينكر وجوده تماما، لكنه في الوقت نفسه يخشى على حفيدته منه، فيرسلها بعيدا.. لا نعرف إلى أين بالضبط، ولا نعرف ما الذي جرى لوالديها اللذين يتطرق الحديث عنهما مرة واحدة في الفيلم بين الجدّ والفتاة.

الوقت ربما يكون في العطلة الصيفية، وقد أنهت الفتاة كما تقول الدراسة بالمدرسة. وهي تتعرض من حين لآخر، لمعاكسات من جانب الجنود الجورجيين الذين يقيمون على الجانب الآخر من النهر.

وهي تسأل جدّها: إلى من تنتمي هذه الأرض التي هناك، فيجيبها: إلى جورجيا. فتعود لتسأله مشيرة إلى الجزيرة التي استقرا فوقها: وهذه الأرض إلى من تنتمي؟ فيجيبها: تنتمي إلى خالقها!

يختفي الشاب ذات يوم بعد أن شعر بأنه عبء على الرجل، الذي لن يمكنه إخفاء أمره أكثر من ذلك، وخصوصا أن الضابط الجورجي الشرس الذي يتردد مع جنوده من وقت إلى آخر على الجزيرة، يشك في وجود هذا الشاب المسلح المنشق على تلك الأرض المعزولة، بل ويشعر أيضا بنوع من الحقد على نجاح الرجل -الذي يناديه هو الآخر بالجدّ-، في خلق حياة جديدة بسيطة، نقية، في تلك البقعة الساحرة وسط النهر وفي أحضان الطبيعة، لكنه يحذره ذات مرة بقوله: لقد اخترت منطقة خطرة!


ثورة الطبيعة


الطبيعة القاسية تكاد تفتك بما زرعه الرجل من قمح، يقوم بجمع كميات كبيرة من الأعشاب والحشائش

تعود الفتاة إلى الجزيرة، ويمارس الاثنان صيد الأسماك التي يشوون بعضها، ويحفظون الباقي بالطريقة التقليدية، أي بتعليقها تجف في الشمس.. الطبيعة القاسية تكاد تفتك بما زرعه الرجل من قمح، يقوم بجمع كميات كبيرة من الأعشاب والحشائش، واستخدامها مع أخشاب الأشجار في تكوين نوع من السياج حول تلك الجنة المعزولة.

لكن الطبيعة لا تعرف سدودا ولا حدودا، ففي غضبة أخرى من غضبتها العارمة، تثور عاصفة، ويفيض النهر، وتقضي السيول على المحصول وتهدّد بطوفان يغرق الجزيرة الصغيرة.

يبعد الجدّ الفتاة في القارب بما تبقى من محصول الذرة.. تطغى المياه على الجزيرة.. يتهاوى الكوخ فوق رأسه فيقضي عليه، تسحب مياه النهر أخشاب الكوخ، فلم تبق سوى قطعة صغيرة من التربة العائمة وسط النهر.

يهبط رجل في قارب صغير.. يتحسس التربة، يحفر بيديه فيها، يستخرج الدمية التي كانت الفتاة قد أحضرتها معها وعلقتها داخل الكوخ، وكبرت بفعل التجربة على أن توليها اهتماما.

ويقرر الرجل البقاء لكي يبدأ دورة أخرى من دورات تلك الحياة التي يصارع فيها الإنسان الطبيعة ويصرّ على تطويعها، لإنتاج خبزه وطعامه وإقامة مأواه والصمود في وجه أعاصير الحياة!

لا شك أنه رغم الحالة المجرّدة التي يصورها الفيلم (رجل وفتاة على جزيرة وسط نهر)، إلاّ أن الفيلم محمل بالكثير من الإسقاطات السياسية، إشارات إلى كيف تعكر السياسة والصراعات المسلحة صفو الحياة البسيطة، وكيف يجد الإنسان -الذي يرغب في أن ينأى بنفسه تماما عن العلاقة مع المدينة وما فيها من متاعب واضطرابات- نفسه مجددا وسط مخاطر تسعى إلى شاطئه.

فهي تفسد عليه عزلته الاختيارية، وتقتحم “وطنه” الخاص الذي حاول تأسيسه بأقل الأشياء المتاحة: أخشاب الغابة، مسحوق -لعله دقيق- يستخدمه في تغطية الأسماك قبل وضعها في النار، ملابس بسيطة، قفص مخروطي الشكل يستخدمه في صيد السمك من النهر، وبعد أن ينمو القمح ويثمر، ويستثمر الرجل المحصول، يرسله بالقارب مع حفيدته الصبية ذات الوجه البريء، لكي تبدله في بلدة على الشاطئ القريب، ببعض السلع الضرورية.

يعتمد الفيلم على الأداء المؤثر العبقري من جانب الممثل التركي إلياس سالمان (وهو أيضا كاتب سيناريو ومؤلف موسيقي ومخرج)، يعبر بإشارات بسيطة من يده، أو بنظرات عينيه التي يتبادل من خلالها الحديث مع حفيدته الصغيرة، التي نرى كيف تصل مرحلة البلوغ ونزول أول قطرة من دماء الدورة الشهرية.

وفي مشهد آخر بديع، تجاهد الفتاة وهي تجمع ثمار القمح فتجرح يدها وتنزف دما، تلعق الجرح، ثمّ تتطلع إلى الفضاء أمامها وإلى صفحة النهر، تتأمل السكون.. وتنخرط في البكاء.

الجدّ يراقبها عن مقربة من الجانب الآخر دون أن تراه. يبدو على ملامح وجهه أنه يفهم سرّ حزنها. هل هي تلك الوحدة التي تعيشها؟ هل تفتقد ذلك الآخر.. أي الشاب الذي كانت قد بدأت في العبث معه ببراءة وتلقائية رغم عدم فهمها لغته الجورجية؟


صورة وحركة


يراعي المخرج بدقة في كل لقطة كل عناصر “الميزانسين”، ويستخدم حركة الكاميرا برصانة ويموج بين اللقطات البعيدة والقريبة، في نعومة وسلاسة، في إيقاع متهاد، ينسجم مع موسيقى الناي

يراعي المخرج بدقة في كل لقطة كل عناصر “الميزانسين”، ويستخدم حركة الكاميرا برصانة ويموج بين اللقطات البعيدة والقريبة، في نعومة وسلاسة، في إيقاع متهاد، ينسجم مع موسيقى الناي التي نسمعها على شريط الصوت من وقت إلى آخر قبل أن تمتزج قرب النهاية بالكمان والتشيللو، في مزج رائع بين الكلاسيكية والشعبية بفضل براعة الموسيقار الجورجي الشهير إسبو باردانشفيلي. الكاميرا تتخذ زوايا منخفضة، تبدو كما لو كانت كامنة ترقب، أو تتخذ وجهة نظر الجدّ أو الفتاة.

يستغل مدير التصوير المجري إلمير راجالاي (96 فيلما) المكان أبلغ استخدام، ويستخرج منه لقطات ناعمة، ضبابية أحيانا، لإضفاء الشاعرية والبساطة على الجو العام للفيلم، مع السيطرة المدهشة على الصورة بتفاصيلها والنجاح في تحقيق أقصى درجات الواقعية، خصوصا في مشاهد الأعاصير والأمطار الغزيرة.

ولا شك أن الأمر كان بحاجة إلى نوع من التحايل لتحقيق النجاح في تصوير تلك المشاهد المعقدة، التي تذكرنا بالأفلام التسجيلية الشهيرة (رجل من آران مثلا)، ولكن باستخدام جيّد للألوان: الأزرق والذهبي والأخضر، مع الاستفادة القصوى من كل إمكانيات المكان رغم محدوديته من حيث المساحة.

العلاقة بين المكان، الطبيعة، وبين الممثلين جزء أساسي من مكونات الصورة والفيلم عموما، بل يمكن القول إن الطبيعة هي البطل الأول في هذا الفيلم، فهي التي تهيمن على كل لقطة من لقطاته، وتفرض نفسها كقوة طاغية، سواء في جمالها وسحرها وقدرتها على أن تدفعنا إلى التأمل في ما صوّره الخالق، أو في قسوتها وضراوتها وعبثها بمصائر الأفراد.

المعلومات المتاحة عن الفيلم تقول إن المخرج أوفاشفيلي وفريقه قاموا بإنشاء جزيرة صغيرة وسط بحيرة اصطناعية، وجزيرة أخرى وسط النهر الحقيقي لتصوير المناظر العامة والبعيدة. “جزيرة الذرة” -في النهاية- تحفة حقيقية واحتفال كبير بالسينما الخالصة، التي تعبّر ببلاغة عن فلسفة وجود الإنسان، ورغبته الدائمة في السيطرة على الطبيعة وتطويعها.

16