جزيرة تحول سكانها إلى كائنات بدائية عاجزة عن الكلام

السبت 2018/03/03
محاولة الهرب من عالم وحشي (لوحة للفنان سبهان آدم)

باريس - صدرت هذا العام للمترجم المصري محمود حسني روايته الأولى “خرائط يونس”، وفيها نقرأ عن جزيرة استعمرتها الطبقة الحاكمة وحوّلتها إلى مقر تتركز فيه السّلطة، وفجأة دون سابق إنذار يتحوّل من فيها إلى ما يشبه كائنات بدائيّة عاجزة حتى عن الكلام، إذ يتقلص وجودهم إلى مجرّد أجساد تسعى للأكل والشرب، في هذا الفضاء الوحشيّ ينجو يونس وفتاة صغيرة، ويسعيان للوصول إلى برّ الأمان يرافقهما غناء حوت ضائع، يسمع يونس صوته في أحلامه.

الاحتفاء بالأدب

تحمل الرواية ملامح من الخيال العلميّ، والشخصيات فيها تبدو كأنها تطفو في عوالم غامضة، فيونس يعيش على الجزيرة، وحبيبته علا الفنانة تعيش على اليابسة بعد علاقة بينهما دامت سبع سنوات. كلاهما أشبه بتائهين في دوامة من الهذيان، فوجودهما الواقعي هشّ كظلال بلا أجساد، لكن ما يلفت الانتباه أنهما شديدا التشابه في الكلام والأحاديث كأنهما شخص واحد، وبعد انهيار النظام أو السيادة في الجزيرة يبقيان دون ملامح واضحة تميّزهما عن بعضهما البعض، فالاثنان تجمعهما العزلة والاستهلاك الدائم للمنتجات الأدبيّة والفنيّة التي تحضر دوماً في كلامهما بالرغم من الخوف الذي يعيشانه.
ونقرأ في الرواية، الصادرة عن دار الساقي، بالتعاون مع برنامج آفاق لدعم الرواية، تعليقات علا ويونس على الكتب والموسيقى واللوحات، وكأنها هوامش أمامهما، فهي التي تشكّل مرجعية أفعالهما وأفكارهما، وما يلاحظ أن الرواية لا تحاول أن تنتقد أو تعيد قراءة الأعمال المذكورة على لسان الشخصيات بل تقتبسها وتستحضر هالتها، بصورة أقرب للزينة أو الزخرفة النصيّة، وينسحب ذلك بصورة واضحة على رواية “العمى” لخوزيه سراماغو التي يحضر ذكرها في الرواية، لتبدو خرائط يونس أشبه باحتفاء بها واقتباس للعديد من عناصرها، وكأننا أمام رواية عن نصوص أخرى أو ما يشبه “الباستيش” الذي يحتفي بالأشكال الأدبية الأخرى ويستعيد فضاءاتها ومعالمها.

 

تتيح الرواية كفن نظاماً مغايراً للأشياء والكائنات، وتؤسس لبنى جديدة تحضر فيها احتمالات وعلاقات بين كائنات العالم لم تكن مألوفة من قبل، فبعيداً عن هيمنة العقل والنزعة الإنسانويّة، نقرأ في الرواية عن سياقات استثنتها الأنظمة المنطقية، حيث يحضر الإنسان بوصفه واحدا من مخلوقات الكون لا هيمنة له على البقية، وحين تنهار سيادته هذه، نرى أنفسنا أمام طيّة تعيد تصنيف الكائنات، ليقف الفرد والحيوان والنص والفكرة على قدم المساواة، لنشهد على احتمالات وعلاقات جديدة تعيد تكوين نسيج الوجود كما نعرفه.

يبدو لنا الراوي حين نقرأ الحكاية شديد الشبه بالشخصيات، ليظهر أحياناً وكأنه يتحدّث بلسانهم، فهو أيضاً حبيس ذاته وخيالاته عن النصوص الأخرى، فعلا ويونس يمتلكان ذات بهتانه، إذ يتداخل عضوياً معهما ومع فعل الكتابة عنهما، ويستقل عنهما مرتين، الأولى حين يتساءل عن إمكانيّة التعبير عن زمنين ضمن النص، وهي اللحظة التي يحاكم فيها الراوي فعل السرد نرجسياً، 
والثانيّة في المقاطع الشعريّة فوق النصيّة التي هي أيضاً احتفاء بالشاعر سليم بركات حسب ما يقول حسني في نهاية الرواية، فكما يونس يعلّق على نصوص الآخرين، الراوي ذاته يعلّق على نصوص الآخرين أيضاً ويستحضرها في مطلع كلّ فصل، ليبدو حضور الراوي أشبه بفيروس يتسلل إلى شخصياته، وتنعكس أعراضه على ألسنتها وعلى لسان الحوت العالق على شاطئ الجزيرة، فضآلة المسافة بين الراوي وشخوصه جعلت من الأخيرة أسيرة ومقيّدة الحركة، تعيش تقلّبات مزاج الراوي وعزلته لتبدو أشبه بصورة عنه.

مساحات التوحش

الجزيرة التي لا نمتلك أي مرجعيّة عنها تمثل قمة الهرم السيادي، وإثر انهيار السيادة التي تضبط سلوك الأفراد فيها، يتحوّل سكّانها إلى حالة بدائيّة أو كائنات وحشيّة صرفة منصاعة فقط لغرائزها، وكأننا أمام مساحة للاستثناء، ليست فقط خارج السلطة السياسية بل أيضاً خارج الفئات الأنطولوجية المعروفة، ما يجعلها محطّ جهود السلطة في الخارج لإعادة السيطرة عليها، لتحضر المنتجات الأدبية والفنيّة بوصفها بديلا عن خطاب السلطة ونماذجها التي تنهار، وفي ظل هذه الظروف نرى يونس أسير أحلامه وهذياناته وما قرأه أو سمعه من فن أو أدب، وكأنه مُنصاع لنوع من الوعي الزائف بالعالم والإيمان بأن الاستهلاك الفني والأدبي قادر على إنقاذه، وهذا ما جعل يونس وعلا أسيري شبكة من النصوص تخلق لديهما أوهام الخلاص وتتحكم بآلية تكوينهما لأفكارهما وردود أفعالهما، فمرجعيتهما ليس الواقع الروائيّ بل المتخيّل الرومانسيّ عن العمل الفنيّ وأشكال التمثيل المرتبطة به.

الحنين للمجهول 

تحضر الموسيقى في الرواية بوصفها العامل الوحيد الذي يتجاوز البشريّ والحيواني والأنظمة السياسية، هي لغة الكائنات كلها، فالحوت شبه الميت على أطراف الجزيرة ينادي يونس وتسمعه علا، وكأن حياتهما انعكاس بشريّ لتيهه، فهما كحاله، وحيدان ومتقوقعان ومعزولان عن العالم، ربما لأنهما مثله، لا يجيدان الغناء، إذ نراهما أشبه بمرضى نوستالجيين، حبيسا حنين إلى حالة مجهولة تنتمي إلى اللاوجود، هما في بحث دائم عن وضعيّة جنينيّة في فضاء غير متناه يشابه المياه، وهذا ما يخلق الانطباع بأنهما شديدا الرومانسيّة، أما الحدث الجلل الذي أًصاب الجزيرة فليس إلا محركاً لهما كي ينغمسا أكثر في أوهامهما، كيونس الذي اختار الرحيل النهائيّ عن كل شيء، فلا خلاص إلا بالهرب، وباتّباع موسيقى الحوت دون مواجهة ما حصل، فالحوت يدعوه إلى حيث لا كلمات بل موسيقى فقط، أشبه بحنين بشريّ أصيل إلى رحم أجوف مظلم.

14