جزيرة جربة تستقبل سياح وغرقى بلا أحلام

قوارب الهجرة تنشط على السواحل الجنوبية لحوض المتوسط بشكل أكبر في فترة الصيف برغم القيود التي فرضتها دول الاتحاد الأوروبي.
الخميس 2019/07/18
ترفع الجثث وتبقى الأحلام

يغتال المتوسط أحلام المهاجرين غير الشرعيين بين أمواجه ثم يلفظ الأجساد بلا روح إلى السواحل لتبحث لها عن أرض تنام فيها بعيدا عن الأهل الذين سوف لن يقطعوا الأمل في عودة أولادهم، أحلام المهاجرين تموت وتتحول إلى جثث متحللة بعد رفض دول أوروبا قبول القادمين الجدد بل ترفض حتى إنقاذهم.

تونس ـ عما يتحدث الإنسان عندما يهيم على مدى ثلاثة أيام في البحر المتوسط، ماسكا لوحا خشبيا، ثم ينجو من غرق مؤكد؟

“على أي حال لن يتحدث عن مستقبله الرياضي”، حسبما يرى مامادو، مقطبا وجهه للمرة الأولى منذ ساعة، مضيفا “تتحدث عن كل شيء ممكن، وتحاول البقاء متيقظا، لأنك إن تركت اللوح مُت”.

غاص الشاب البالغ من العمر 16 عاما، مرة أخرى في عالم أفكاره، ناظرا إلى الأرض، قارضا أصابعه المرتعشة، بشكل مضطرب.

ربما كان يفكر في ليونيل ميسي، الذي يتخذ منه مثلا أعلى في كرة القدم، وربما كان يفكر في ما عاشه الأسبوع الماضي.

كان مامادو، ذلك الشاب القادم من مالي، يجلس في تمام الساعة الخامسة صباحا، هو و85 شابا آخرين، في زورق، على شاطئ مدينة زوارة الساحلية، مستعدين للانطلاق نحو أوروبا.

يريد مامادو أن يصبح محترفا لكرة القدم.

انطلق القارب بعد سبع ساعات، وضربت الأمواج الزورق، مما تسبب في ذعر بين الركاب، وانقلب المركب.

كان مامادو يجلس على أرضية الزورق الذي عُزز بلوح خشبي.. وظل ممسكا بهذا اللوح عندما سقط في المياه، ومعه ستة آخرون. بينما كان أحد المهاجرين الـ86، الذين معه، يختفي مع كل موجة جديدة، ظل مامادو ممسكا باللوح الخشبي على مدى ثلاثة أيام، إلى أن عثر عليهم قارب صيد تونسي.

عندها أصبحوا أربعة مهاجرين فقط، سيموت منهم شخص آخر في المستشفى. إذا افترضنا أن ما حدث كان مباراة لكرة القدم، فإن النتيجة كانت ستكون واضحة، 83 مقابل 3، لصالح البحر المتوسط.

لم تكد تمضي على الكارثة سوى بضعة أيام، حتى بدأ البحر يجرف أولى الجثث إلى الشاطئ.

جربة هي الجزيرة التي ألقت إليها الأمواج بالملك أوديسوس، أثناء تيهه عبر البحر المتوسط اليوم تستقبل جثث الأفارقة

عثر رجال الإغاثة على 16 متوفى، في جربة، تلك الجزيرة التي يفضلها السائحون في قضاء عطلتهم الصيفية، والتي ستعاود السياحة فيها النشاط، أخيرا، في هذا الموسم الصيفي.

يقول منجي سليم، الذي تطوع منذ 25 عاما، للعمل لدى منظمة الهلال الأحمر، “من النادر أن تصل الجثث إلى جربة، عادة ما تجرف الجثث من هنا”.

نظر الطبيب التونسي من شرفة أحد المقاهي، إلى شاطئ البحر، حيث نصبت الأسر مظلاتها، وجعلت من هذه المظلات قلاعا صغيرة، ولعب الأطفال بتماسيح من الجلد، مملوءة بالهواء.

وقال “ستجلب الرياح وتيار المياه الموتى إلى هنا”.

رحمة على قبر غريب
رحمة على قبر غريب

تقع بلدة جرجيس الصغيرة جنوب تونس، بين الحدود الليبية، حيث تسود الفوضى بسبب الحرب الأهلية، وجربة، حيث يستجم السائحون القادمون من كل أنحاء العالم، ويرقصون على موسيقى تكنو سيئة.

جربة هي الجزيرة التي ألقت إليها الأمواج بالملك أوديسوس، أثناء تيهه عبر البحر المتوسط.

يفصل بين جربة واليابسة سد طوله نحو خمسة كيلومترات. هناك تزايد هذا العام في أعداد الموتى الذين يلقي البحر بهم إلى جربة، “فمنذ عودة الاشتباكات الشرسة في ليبيا، في أبريل الماضي، تزايدت أعداد الناس الذين يرحلون من ليبيا”، حسب الطبيب منجي سليم، والذي قال “كان من الممكن إنقاذ هؤلاء الـ83 لو أنه كانت هناك قوارب إنقاذ في الطريق”.

وتنشط قوارب الهجرة على السواحل الجنوبية لحوض المتوسط بشكل أكبر في فترة الصيف برغم القيود التي فرضتها دول الاتحاد الأوروبي.

ومنذ أن أغلقت إيطاليا، والكثير من الدول الأخرى، الطريق أمام العاملين في الإغاثة، لم يعد هناك تقريبا قارب نجاة يتجول قبالة السواحل الليبية.

ورغم تراجع العدد الإجمالي للاجئين، أصبحت رحلة عبور البحر تمثل خطورة أكبر بالنسبة للذين يقدمون عليها.

وفقا لمنظمة الهجرة الدولية فإن 682 شخصا غرقوا هذا العام في البحر المتوسط، “وهذه ليست سوى الأعداد الرسمية فقط”، حسب الطبيب سليم.

وبينما يتناقش الأوروبيون بشأن توزيع المهاجرين وتشديد الحدود الأوروبية، هناك خلاف بين البلديات في تونس، بشأن البلدية التي يتوجب عليها دفن الموتى.

أعلنت بلديات جنوب تونس، مطلع الأسبوع الجاري، عزمها عدم قبول الجثث، “حيث تقول بعض البلدات، إن المقابر الموجودة لديها مخصصة للمسلمين فقط”، حسب سليم، الذي يتفاوض مع البلديات بشأن مواراة هذه الجثث الثرى، وذلك لأن الهلال الأحمر هو الذي يدبر أمر الموتى حاليا. ومن الذي يستطيع معرفة ما إذا كانت الجثة التي جرفتها الأمواج جثة مسلم؟

الأسماء تتحول إلى أرقام
الأسماء تتحول إلى أرقام

يظهر أحد الإغاثيين لدى الهلال الأحمر صورا لعمليات انتشال الجثث على جهازه المحمول، إنها صور أجسام منتفخة ووجوه مشوهة.

هناك جثة مفقودة منها عدة أصابع، وأخرى ليس لها رأس ولا ساق. ليس الموت الذي انجرف إلى هنا، على الشاطئ، موتا ساكنا أو سالما، إنه موت مقزز.

اشترى الهلال الأحمر، قبل شهرين، قطعة أرض خاصة به، جنوب بلدة جرجيس، لدفن هؤلاء الموتى بها.

أما في الوقت الحالي، فهم يدفنون معظم الغرقى في قطعة أرض زراعية حصلوا عليها من مجلس البلدية، ولكن هذا المكان يبدو أقرب إلى مكب للنفايات.

هناك صوت صرير يصدر عن وقع أقدام صندل مامادو ورفيقه عثمان كوليبالي، البالغ من العمر 20 عاما، والذي نجا هو الآخر من الكارثة.

ذهبا إلى “مقبرة المجهولين” التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن مركز اللاجئين التابع للهلال الأحمر، وخلفه يرتفع ملعب كرة القدم الخاص بمدينة جرجيس، أما المدينة نفسها فتبعد كثيرا. لا يريد الشابان أن تكون لهما صلة هنا، لا بالأحياء ولا بالموتى.

هناك ثلاجات صدئة تبرز من الرمال، وأكياس وزجاجات بلاستيكية لا حصر لها، تتخللها بعض أشجار الزيتون. هنا يتم تفريغ كل شيء تخلى الناس عنه.

هناك إلى جانب سور صغير من الرمال لوحات من الكرتون المقوى ملقاة على الأرض، 18 قبرا تم حفرها مؤخرا، بعمق مترين لكل منها، حتى لا تستطيع الكلاب نبش القبور والجثث.

وخلف هذه المقابر تلال بها المزيد من المقابر، وبعض قوالب الطوب المكسورة، أو قطع من الصخور، تستخدم كشواهد.

تحاول الزهور الجافة منح هذه القبور بعضا من الكرامة.

بعض بلديات جنوب تونس تعلن عزمها عدم قبول الجثث بتعلة أن المقابر الموجودة لديها مخصصة للمسلمين فقط
بعض بلديات جنوب تونس تعلن عزمها عدم قبول الجثث بتعلة أن المقابر الموجودة لديها مخصصة للمسلمين فقط

ازدادت سكينة مامادو ورفيقه عثمان، أكثر من السكينة التي حطت عليهما بالفعل، حيث يرقد هنا جزء من الناس الذين صعدوا معهم، قبل أسبوع، الزورق باتجاه أوروبا.

يطرد عثمان الذباب من على عضلة السمانة، حيث حط العشرات من الذباب على الجروح الآخذة في الاندمال، أصيب الجلد بحروق من الشمس، ومن البنزين الذي سكب من القارب.

إنها المثوى الأخير لأحلام غارقة، أراد عثمان قول شيء، لكنه توقف، وأصبح يتلعثم فجأة، ثم استدار ولى ذاهبا.

الأمواج تلاعبت بالمراكب وبالأحلام
الأمواج تلاعبت بالمراكب وبالأحلام

 

20