جزيرة فيلة الحالمة في مصر تنتظر عشاق الفنون والتاريخ

إعادة ترميم للأثر التاريخي من قبل المجلس الأعلى للآثار المصرية ليصبح مرسى سياحي جديد لاستقبال السياح.
الأحد 2021/01/24
إعادة الحياة لجزيرة فيلة الحالمة

أسوان (مصر) - فيلة جزيرة ساحرة تقع في نهر النيل الخالد جنوبي مدينة أسوان بصعيد مصر، جذبت الآثاريين، والرسامين، والكتاب، والمستشرقين على مرّ العصور، وذلك بفضل موقعها الساحر، ومعالمها الفريدة فخلدها الرسامون والكتاب في أعمال فنية وأدبية تاريخية وتنتظر اليوم زيارة عشاق الفنون والتاريخ مع فتح المطارات والحدود الدولية.

ومن اللافت أن الروائي والكاتب الفرنسي بيير لوتي، الذي عاش في الفترة من 1850 وحتى 1923، قد رثا تلك الجزيرة في كتاباته، وصورها وكأنها كائن حي تعرض للموت.

لكن جزيرة فيلة ظلت باقية، ولا تزال الحياة تدب فيها حتى اليوم، وحتى حين غمرتها مياه البحيرة التي أقيمت خلف سد أسوان الذي أقيم على نهر النيل، لفترة من الزمن، إلى أن جرى تنفيذ مشروع ضخم لإنقاذ آثارها التي وثقها الرسامون الكبار من الأوروبيين والمصريين في لوحات فنية خالدة مثل لوحات الرسام الأسكتلندي ديفيد روبرتس الذي عاش في الفترة من 1796 إلى 1865، والذي جعلت منه لوحاته أحد المستشرقين العظام، وقد اختير بفضلها ليكون عضوا في الأكاديمية الملكية البريطانية للفنون.

ارتبطت جزيرة فيلة بالكثير من الأساطير المصرية القديمة، وكما تروي لنا كتب الآثاريين وعلماء المصريات، فإن جزيرة فيلة شهدت أول بناء أقيم في عهد آخر ملوك مصر نختنبو الأول.

وكانت الجزيرة آنذاك، حديقة نضرة في قلب دائرة متسعة من الجبال المظلمة والمقفرة، وبالقرب من وسط تلك البيئة المقفرة لجزيرة بجه الغرانيتية، يقع أباتون ذلك المكان الذي يتعذر الوصول إليه، وهو المكان الذي نام فيه المعبود أوزيريس آخر نومة له.

وبحسب الأساطير المصرية القديمة، فقد كان قبر أوزيريس في موقع يشبه الأدغال، تحيط به 365 مائدة، تتلقى يوميا سكيبة من اللبن. وكان بقربه كهف ترتفع داخله المياه في كل عام، فتذكر بإعادة مولد ذلك المعبود، الذي دارت حول ولادته وحياته وموته أسطورة إيزيس وأوزيريس الشهيرة.

جزيرة فيلة ارتبطت بالكثير من الأساطير المصرية القديمة من ذلك أنها أول بناء أقيم في عهد آخر ملوك مصر نختنبو الأول

وقد كرست عدّة مبان بتلك الجزيرة للربّة حتحور، ربة الأماكن القصية والموسيقى والمرح أيضا، والتي كانت قد فرت، بحسب الأساطير المصرية القديمة، إلى صحراء الجنوب الملتهبة، ثم استعادت اطمئنانها، وكانت جزيرة فيلة أول أرض مصرية تطؤها قدماها عند عودتها، وكرس معبد عظيم في الجزيرة لإيزيس زوجة أوزيريس، واللذين تدور حولهما أسطورة تحمل اسميهما.

ومن بين المعالم الأثرية في جزيرة فيلة، صفان طويلان من الأعمدة، وهما يؤديان إلى أول صرح، يتبعه بيت الولادة، وهناك طريق وصرح ثانٍ، خلفه مظلة صغيرة ذات أعمدة، ثم تأتي بعد ذلك الغرف الداخلية وبهوها.

وقديما شهدت جزيرة فيلة إغلاق المعابد المصرية بها لمدة طويلة، مع ظهور المسيحية، لكن حجاج بلاد النوبة ظلوا يفدون إليها ليضعوا القرابين على المذابح بهذه الجزيرة، وينقشوا على جدران المعابد بعض التراتيل والصلوات لإيزيس العظيمة.

وقد انتهى المجلس الأعلى للآثار المصرية أخيرا، من تنفيذ مشروع ترميم وتطوير لمنطقة المعبد الأثري في جزيرة فيلة.

وقال مصطفى وزيري الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إن أعمال الترميم التي جرت شملت ترميم الأرضيات والأعمدة، وتنظيف الجدران من مخلفات الطيور والخفافيش، ومعالجة الرسوم وتقوية ألوانها، إلى جانب تحديد مسار الزيارة منذ بداية دخول المعبد وحتى نهايتها، ووضع وتركيب نظام إضاءة حديث يعمل على إظهار الجوانب الجمالية الفريدة للأثر، إضافة إلى إقامة مرسى سياحي جديد لاستقبال السياح، وتطوير كافة المرافق الخدمية الملحقة بالجزيرة التاريخية.

ومن المعروف أن جزيرة فيلة نالت أهمية بالغة لدى المصري القديم، وذلك نظرا إلى موقعها المتميز؛ حيث شكلت هي وجزيرة أسوان حدودا جغرافية طبيعية، وعرفت في النصوص المصرية بالخط الفاصل، أمّا عن لفظ “فيله” فهو مشتق من الكلمة الإغريقية “فيلاي” بمعنى الحبيبة، وقد عرفت في الأدب العربي باسم “أنس الوجود” لارتباطها بقصص التراث الشعبي، وقد نجحت جهود صندوق إنقاذ آثار النوبة في نقل آثار الجزيرة بالكامل إلى جزيرة أجيليكا المجاورة.

ويعتبر معبد إيزيس، الذي اكتشف عام 1871، المعبد الرئيسي بالجزيرة حيث يحتل ربع مساحتها، وقد شيّد في آخر العهد البطلمي مكان معبد آخر أصغر حجما كان مكرسا أيضا لإيزيس ومخصصا للجنود المكلفين بحماية حدود مصر الجنوبية، لكنه لم يكتمل.

ويوجد بالجزيرة أيضا معبد كرس لعبادة حتحور، بالإضافة إلى مقصورة نختنبو الأول، وكذلك مقصورة طهرقا التي شيدها أيضا لإيزيس.

يذكر أنه تم اكتشاف المعبد عام 1871 ويبلغ طوله حوالي 19 مترا، وقد ساهم الكثير من الملوك البطالمة في بنائه، لكن لم يستكمل بناؤه إلا في عام 116 قبل الميلاد من قبل إيورجيتس الثاني. وقد بُني من الحجر الرملي، وله بابان، الباب الرئيسي متوج بحلية يعلوها قرص الشمس المجنح ويتم الدخول منه إلى صالة تفتح على ثلاث حجرات، وفي الجدار الشرقي من الحجرة الوسطى قدس الأقداس الذي نقشت عليه بعض المناظر الخاصة بتقديم القرابين.

16