جزيرة قبرص أرض وطأتها أقدام البشر قبل العصر الحجري

الاثنين 2013/12/16
تتواصل الاكتشافات الأثرية في جزيرة قبرص

لندن- تمثال صغير لجسد أنثى يعود إلى فترة تسبق بدايات العصر الحجري الحديث اكتشفه علماء الآثار في جزيرة قبرص القابعة في البحر الأبيض المتوسط، يجعلهم يعيدون النظر في حقيقة الوجود البشري على هذه الجزيرة ويفتح الباب أمام المؤرخين لإعادة كتابة تاريخ الإنسان على أرضها.

جزيرة قبرص التي تشهد صراعا على الهوية منذ القدم بين مواطنيها من الأتراك واليونانيين، بإمكانها أن تكون أيقونة للتاريخ والحضارة في قلب البحر الأبيض المتوسط؛ ذلك أن لها تاريخا ثريا يمثل كنزا لكل سكانها خاصة بعد الاكتشاف الأخير الذي يؤكد أن الإنسان عمّرها قبيل بداية العصر الحجري الحديث.

اهتمت دراسة حديثة بالبحث في تاريخ الوجود البشري في جزيرة قبرص، حيث تم العثور على آثار جديدة كشفت أن البشر سكنوها قبيل بداية العصر الحجري أي قبل ألف عام مما كان يعتقد المؤرخون سابقا.

وتضم الآثار التي عثر عليها علماء الآثار الكنديون والأميركيون والقبارصة المشرفون على البحث تمثالا صغيرا لجسد امرأة ويعد أقدم قطعة أثرية عثر عليها في الجزيرة، حسب ما نشرته صحيفة «هفنغتون بوست» الأميركية.

ويرجح العلماء أن الآثار التي تم اكتشافها في موقع «أيا فارفارا- أسبروكريمنوس»، تعود إلى ما بين سنوات 8800 و8600 قبل الميلاد أي قبيل بداية العصر الحجري الحديث، في فترة التحول من النظام القائم على الصيد إلى الزراعة في الشرق الأوسط.

وقالت عالمة الآثار من جامعة تورونتو «سالي ستيورات»: إن قبرص كانت جزءاً من ثورة العصر الحجري الحديث التي شهدت نموا ملحوظا في الزراعة وتربية الحيوانات، موضحة أن الزراعة وفرت فائض ثروة من الطعام وبالتالي أصبح هناك وقت أطول للأشخاص كي يتخصصوا في أدوار أخرى مثل الصناعة وبات لديهم الوقت من أجل فن صناعة التماثيل الصغيرة.

تضم الآثار التي عثر عليها علماء الآثار الكنديون والأميركيون والقبارصة المشرفون على البحث تمثالا صغيرا لجسد امرأة يعد أقدم قطعة أثرية عثر عليها في الجزيرة

ونظرا لموقعها الاستراتيجي وسط البحر الأبيض المتوسط، كانت جزيرة قبرص منذ القدم أرضا مغرية للبشر من المناطق البرية المحيطة بها، في حين أن المؤرخين اعتقدوا لسنوات طويلة أن قبرص استعمرت بعد وقت طويل من بقية أرجاء البر الرئيسي للمتوسط، ولكن قربها من البر ربما جعل من السهل كثيرا على سكان تركيا وسوريا ولبنان الوصول إليها.

كما يرجع العلماء إطلاق أسم قبرص على الجزيرة إلى شهرتها وثرائها بمعدن النحاس «copper» وهي تسمية مستمدة من التسمية الإغريقية «kypros»، أما التاريخ الحديث للجزيرة فيشير إلى أنها أصبحت دولة قائمة بعد استقلالها عن بريطانيا عام 1960، ولكنها لم تظل دولة موحدة فقد تم تقسيمها عقب التدخل التركي عام 1974 إلى جزأين هما؛ قبرص الجنوبية في الوسط والجنوب وهي ذات أغلبية سكانية يونانية وقبرص الشمالية وهي ذات أغلبية سكانية تركية حيث أعلن عام 1983 قيام جمهورية شمال قبرص التركية.

ويجد الصراع بين سكان الجزيرة على الهوية والثقافة جذوره ومبرراته بالنظر إلى تاريخ جزيرة قبرص الحديث؛ ذلك أنها منذ القدم محط نزاع تاريخي وثقافي بين تركيا واليونان، ويظهر ذلك على أرض الواقع من خلال تواصل النزاع بين مواطنيها من القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك، وهو ما أدى إلى وجود دولتين مستقلتين لا تعترف كلاهما بالأخرى إلا أن إحداهما معترف بها وهي عضو في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وهي الجمهورية القبرصية وعاصمتها نيقوسيا، المقامة على 65 بالمئة من مساحة الجزيرة، والثانية مستقلة لكن غير معترف بها سوى من تركيا وتسمى «جمهورية شمالي قبرص التركية» مقامة على 35 بالمئة من بقية مساحة الجزيرة وعاصمتها ليفكوشه.

وحسب المدونات التاريخية الموجودة قبل الاكتشاف الأخير الذي يدل على أن البشر سكنوا قبرص قبل العصر الحجري الحديث فإن تاريخ الشعوب القديمة التي سكنت الجزيرة يرجع إلى حوالي عام 1200 قبل الميلاد عندما استوطن فيها اليونانيون الذين تركو فيها بصمتهم من خلال البناءات والآثار والمدن ذات الطابع اليوناني القديم، وقبل المسيح، غزا قبرص كل من الآشوريين والمصريين واليونانيين والفرس والرومان، وفي عام 330 بعد الميلاد صارت قبرص جزءا من الإمبراطورية البيزنطية

قبرص آثار القدماء على ضفاف المتوسط

.

وفتح الأتراك العثمانيون الجزيرة في سبعينيات القرن السادس عشر ميلادي، حيث عاشت الطائفتان اليونانية والتركية في تسامح أغلب فترات الحكم العثماني التي امتدت لثلاثة قرون منذ عام 1571 رغم انعدام القاسم المشترك بينهما، فهما تختلفان في اللغة والدين والعادات والتقاليد، وبعد انتهاء الحكم العثماني عام 1878 سُلمت قبرص إلى بريطانيا التي حولتها إلى مستعمرة ملكية عام 1925، وفي الأربعينيات من القرن العشرين استعملتها بريطانيا نقطة اتصال وتموين لمستعمراتها وقواتها في مصر وفلسطين والعراق والخليج، وأنشأت عليها قاعدتين عسكريتين.

وفي الخمسينيات من القرن العشرين ميلادي قام القبارصة اليونانيون بقيادة الأسقف مكاريوس بحملة سياسية للاتحاد مع اليونان، وبدأت بذلك التوترات الاجتماعية في التصاعد تزامنا مع نشاط قادة الكنيسة الأرثوذكسية، واستمرت تلك التوترات إلى اليوم، وكان الأتراك واليونانيون قد اجتمعوا في زيوريخ بسويسرا عام 1959، حيث توصلوا لاتفاق يقضي بأن قبرص أصبحت دولة مستقلة.

ووقعت كل من بريطانيا واليونان وتركيا اتفاقية تكفل لقبرص استقلالها، وأصبح الأسقف مكاريوس رئيسًا للدولة الجديدة، واقترح في عام 1963 ثلاثة عشر تعديلاً للدستور، بدعوى أن ذلك سوف يؤدي إلى إدارة أفضل للبلاد، لكن هذا التعديل لقي معارضة كل قادة القبارصة الأتراك اعتقادا منهم أنها ستؤدي إلى سلب القبارصة الأتراك حقوقهم وضماناتهم الدستورية، واندلع القتال بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك.

وتواصلت رئاسة مكاريوس للجزيرة إلى عام 1973، وفي شهر يوليو عام 1974 أطاحت قوات الحرس الوطني بقيادة الضباط اليونانيين بالرئيس مكاريوس الذي فرّ على إثر ذلك من قبرص وعقب الإطاحة به قامت تركيا بغزو قبرص، وعاد النزاع حيث اندلع قتال واسع النطاق بين الأتراك والقبارصة اليونانيين، واستولى الأتراك على أجزاء واسعة في شمال شرقي قبرص وهو ما عاود رسم خارطة الجزيرة من جديد.

قبرص كانت جزءا من ثورة العصر الحجري الحديث التي شهدت نموا ملحوظا في الزراعة وتربية الحيوانات

وبقيت المشكلة القبرصية طوال السنوات الماضية تراوح مكانها، حكومة في الشمال غير معترف بها سوى من تركيا، وحكومة أخرى في الجنوب تحظى بالشرعية الدولية، وظل الوحدويون في الجانبين يطالبون بعودة الوحدة إلى الجزيرة المقسمة، وارتفعت أصواتهم بأن الوقت قد حان لتذليل الصعاب ومحاولة تجاوز الماضي.

هذا كما أن الجزيرة ثرية بموقعها الاستراتيجي وبثرواتها الطبيعة وخاصة بتاريخ شعوبها واختلافها ما من شأنه أن يمنحها مشهدا ثقافيا حضاريا متنوعا يعود لتاريخها القائم على التنوع، كما أن الاكتشافات الحديثة حول تاريخ الوجود البشري يجعل وجهة للمؤرخين ولعشاق الآثار.

12