جزيرة قرقنة التونسية: التحديق في الأفق انتظارا لعودة السياح

يبحث العاملون بالقطاع السياحي في تونس عامة وفي جزيرة قرقنة خاصة عن حلول للأزمة التي يمر بها القطاع، بعد أن غادر السياح شمس البلاد وبحرها إثر الأحداث الإرهابية التي شهدتها البلاد.
الثلاثاء 2016/03/01
القوارب ملت الانتظار

قرقنة (تونس) - السير في طرقاتها وعبر قراها يشعرك بطمأنينة وراحة وسكينة قلما تشعر بها في أي منتجع سياحي مهما بلغ من الرقي، ومهما استفاد من مقومات الصناعة السياحية العصرية.

من ميناء سيدي يوسف إلى منطقة “العطايا” مرورا بقرى “مليتة” و”سيدي بوعلي” و”الرملة” و”الكلابين” و”سيدي فرج” و”أولاد يانق” وغيرها من قرى قرقنة، يتملكك سحر الجزر فتشعر بطمأنينة متناهية تنسيك صخب الحياة العصرية وضغوطها، حيث تشعر أنك تشفى بسرعة غريبة لتكون أول لحظات متعة التخلص من مكاره المدن لحظة الصعود على ظهر “اللود” في المحطة البحرية بشاطئ القراقنة في مدينة صفاقس في رحلة تعانق من خلالها أجواء البحر ونسيمه العليل.

الشعور بالانتماء إلى أهل جزيرة منفصلة عن أهالي اليابسة ينتابك بمجرد وصولك إلى ميناء سيدي يوسف، ثم يتعمق لديك شيئا فشيئا وأنت تسير في طرقات الجزيرة تتمتع ببساطة الحياة فيها ولطف الطبيعة وهدوء المنطقة، بداية من صور النخيل والزياتين والكروم، إلى دكاكين التجار وحوانيت بيع السمك والأخطبوط المصطفة على جانبي الطريق الرئيسية، إلى الوحدات الفندقية والإقامات السياحية ذات الطابع المحلي الأصيل، والخيط الرابط في كل ذلك هي البساطة وغياب التعقيد والتكلف.

لكن الشعور بسحر كل هذا الجمال والتفرد بات يمتزج اليوم لدى الزائر بإحساس تختلط فيه الحسرة بالغبن على ما يلاقيه هذا التراث السياحي والثقافي والبيئي النادر من هجران السياح التونسيين والأجانب.

واقع اصطدم به أعضاء وفد من ممثلي المنظمات والوداديات التونسية الذين شاركوا نهاية الأسبوع المنقضي في رحلة استطلاعية للجزيرة نظمتها وكالة أسفار بالاشتراك مع نزل بقرقنة، وبدعم من المندوبية الجهوية للسياحة بصفاقس.

والحقيقة التي رددها مرارا أعضاء الوفد، هي أن قرقنة، الوجهة السياحية الفريدة بمنتوجها وإطارها الطبيعي الخلاب وفنادقها، لا تستحق كل هذا الكساد والهجر.

” ليس معقولا أن نرى اليوم قرابة الأربعة فنادق موصدة الأبواب منذ مدة طويلة تعود إلى ما قبل الثورة، وخمسة أخرى تصارع الموت.. ليس معقولا أن يكون رصيد أكبر نزل في الجزيرة وهو “النزل الفاخر”، يوم وصول الوفد إلى الجزيرة، صفر من الزبائن… “، هكذا تحدث وكيل الأسفار ومنظم الرحلة، ماجد خروف لوكالة تونس أفريقيا للأنباء (وات) بنبرة تمتزج فيها المرارة بالخوف.

إيقاف إجباري للمحركات

مديرة هذا النزل، جليلة صرصار، أطلقت بدورها صيحة استغاثة مدوية لما آلت إليه الحركة السياحية في هذه الوحدة الفندقية، وفي قرقنة عموما، خاصة في علاقة بهجران السياح الأجانب لها بعد أن جمعتهم بها قصص عشق روت بعض تفاصيلها.

وفي هذا الصدد، قالت صرصار “كان هذا النزل يستقبل من سنة 1984 والى سنة 2008 أعدادا كبيرة من السياح البريطانيين الباحثين عن الهدوء والراحة والسكينة، وكان النزل محجوزا لمدة سبعة أشهر كاملة من طرف وكالة “بانوراما”، وهي إحدى كبريات وكالات الأسفار البريطانية التي قررت أن تحزم أمتعتها وتهجر الديار وعشقها لقرقنة مباشرة بعد صائفة 2008، صائفة عرفت زيارة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي للجزيرة، واقتناء عائلته الحاكمة للنزل الفاخر الذي أقامت فيه وبنت فيه جناحا رئاسيا يلفه اليوم الفراغ والكساد”.

وتابعت مديرة النزل متحدثة عن ملاحقة لعنة تلك الزيارة للنزل الذي صار اليوم تحت تصرف قضائي، باعتباره أحد الأملاك التي تنظر فيها لجنة المصادرة، فقالت “إن الافتقار إلى الراحة والأمان اللذين كانا يجلبان السياح الأجانب في ما مضى، أصبح يهدد ما تبقى منهم بعد أن أعلمتها شركة ‘بيتروفاك’ البريطانية بوقف التعاقد معها، واستغلال ست من غرف الجناح الرئاسي بشكل مستمر”.

الشعور بالمرارة الذي تملك مهنيي القطاع السياحي في قرقنة، تحول في رمشة عين إلى صفوف الزائرين، حيث عبر عبداللطيف الورتاني، عن ودادية متقاعدي الديوان المدني للمطارات، عن هذه الحسرة، قائلا “حقا إنه من المآسي أن نرى تراثا سياحيا من هذا الطراز متروكا ومهجورا”، شهادة تلقائية نطق بها فم هذا المهندس المتقاعد في خضم الزيارات الميدانية التي قام بها الوفد لبعض النزل المغلقة، مثل نزل “إقامة عزيز” ونزل “غاستيل”، وهما نزلان يسعى مالكاهما إلى إعادة الحياة إليهما من جديد.

أمام هذه الأزمة الخانقة، يرى شكري سليمان، وهو صاحب نزل “سرسينا” بالجزيرة، أن الحل يكمن في تدعيم مقومات السياحة البيئية والتوجه إلى المجموعات صغيرة العدد، حتى تحافظ الجزيرة على سحرها وألقها.

الحل ليس صعب المنال في تقدير شكري، لأن تنظيم الرحلات البحرية على القوارب الشراعية، والأنشطة البحرية الهادئة (خلافا للميكانيكية)، مثل الـ”بيدالو”، بالإضافة إلى تهيئة مسالك صحية للجولات عبر الدراجات العادية، أنشطة كفيلة لوحدها بأن تستقطب السياح التونسيين والأجانب على حد السواء، لأنها ببساطة أنشطة تحافظ على روح سياحة الجزر.

من جهته، بدا وكيل الأسفار ماجد خروف، حالما أكثر من زميله، وأطلق العنان لطموحه في أن يرى يوما ما صنفا من السياحة الراقية، والموجود في جزر المالديف وغيرها، في قرقنة، وهي المنازل الخشبية المثبتة في الماء، مشددا على أن هذا الصنف من المنتوجات السياحية يتماهى تماما مع طبيعة قرقنة وشواطئها.

20