جز الأغنام لا يحلو دون زغاريد النساء

الاثنين 2014/04/28
يمثل موعد احتساء الشاي فرصة للتندر وإلقاء القصائد باللهجة العامية

تطاوين (تونس)- يحرص سكّان الجنوب التونسي على الاحتفال سنويا بموسم “جزّ الأغنام” وإيلائه مكانته المميّزة ضمن موروثهم الثقافي الصحراوي، فضلا عن كونه عادة وعرفا دأب عليهما الأجداد منذ مئات السنين.

عادة ما ينطلق موسم “جزّ الأغنام” (إزالة أصوافها) مبكرا بالجنوب التونسي مقارنة بباقي المناطق التونسية، نظرا إلى الارتفاع السابق لأوانه في درجات الحرارة جنوبي البلاد، حيث يشرع سكّان هذه المناطق من الرعاة في جزّ أغنامهم منذ بداية شهر أبريل إلى منتصف شهر مايو من كل عام.

وتحتضن محافظة تطاوين، الواقعة جنوب شرقي تونس، على امتداد صحاريها المتاخمة للحدود الليبية المئات من رعاة قطعان الأغنام والإبل، الذين يتمسّكون بالمحافظة على جملة من العادات البدوية التي من ضمنها طقوس “الجز” رغم زحف التمدّن طيلة العقدين الماضيين على هذه المناطق.

يصعب التنقلّ من وسط مدينة تطاوين (600 كم جنوب العاصمة تونس)، إلى عمق الصحراء (حوالي 102 كم) حيث يقيم “عرش” (قبيلة) الخزراوي حفلته الموسمية لجز الأغنام التي “باتت في أمس الحاجة إلى أن تنزع عن جلدها كميات الصوف مع انقضاء فصل الشتاء البارد وارتفاع درجات الحرارة”، حسب العمّ عبدالله.

حفاوة الاستقبال وكرم البداوة أبرز ما يميز أهالي منطقة “مشهد صالح”، حيث يتم نصب عدد من الخيام التقليدية السوداء وسط صحراء مقفرة ممتدة تتخللها مسالك وعرة.

وبإشارة من كبير القبيلة تبدأ عملية الجزّ منذ شروق الشمس، وسط ارتفاع أهازيج الرجال وزغاريد النسوة إبرازا لمكانة هذه العادة وقداسة طقوسها لمن ألفوا عيش الصحاري أكثر من أي مكان آخر.

"الكتافة" مجموعة تتولى عملية شد وثاق الشاة استعدادا لجزها

المكان الذي نزل إليه مربو الأغنام والإبل هذا العام كان على بعد بضعة كيلومترات من الحدود الليبية، ويقع بين ثلاث هضاب رملية تحميهم قدر الإمكان من قوة العواصف الرملية، وبالقرب من بئر ماء “عين طرطار”، حيث تتوفر مراع شاسعة من النباتات الصحراوية.

قبل الجزّ يتم فصل الأكباش (جمع كبش وهو فَحْلُ الضأْن) عن بقية القطيع، حيث يتم تجميعها في زريبة (حظيرة) لوحدها من أجل جزّها وفق طريقة خاصة تتطلب كثيرا من الجهد والخبرة، وهي عادة لا يتقنها إلاّ كبار القوم، وتوضح القيمة التي يوليها الرعاة لأكباش القطيع.

أما النعاج (جمع نعجة وهي أنثى الضَّأن) فيتم جمعها، أيضا، في زريبة لوحدها بعد أن تفصل عن أبنائها الصغار، حيث تتعرض للجز واحدة تلو الأخرى بمجرد دخولها الخيمة المخصصة للجزّ.

وحول طريقة الجز، يقول، مبروك، حفيد كبير القبيلة المشرف على رعي الأغنام في منطقة “مشهد صالح”: “نحرص على أن نقوم بعملية الجزّ في أسرع وقت ممكن وبعناية شديدة حتى لا نؤذي الأغنام”.

وينقسم فريق العمل (حوالي 30 رجلا)، إلى مجموعات تؤدي كل منها دورها في إيقاع متناسق، فهناك مجموعة تتولى عملية حدّ أشفار “الأجلام” وهي آلة شبيهة بالمقص لكنها أكبر حجما، وتستخدم في فصل الصوف عن جلد الشاة.

وثمة مجموعة ثانية تسمى “الكتّافة” وهي التي تتولى عملية شدّ وثاق الشاة حسب تقنيات خاصّة في التعامل مع الحبل ولفّه على أرجل الحيوان. وتباشر مجموعة ثالثة عملية الجزّ عن طريق قصّ الصوف عن ظهر الشاة ابتداء من رأسها، وذلك باتقان شديد وبسرعة تقدٍّر بحوالي 7 دقائق، للشاة الواحدة.

من جهتها، لم تتوقف الخالة “إمباركة” (سيدة سبعينية) بلباسها التقليدي الفريد، عن إشعال أنواع شتّى من البخور حول المكان “إبعادا للعين والحسد”، حسبما تعتقد، وسط زغاريد متتالية من باقي النسوة، في مشهد يؤكّد المكانة التي يوليها هؤلاء السكّان لحيواناتهم.

في هذه الأثناء يقوم المهاجي (المنشد) بين الفينة والأخرى بإعلاء صوته بالأهازيج الشعبية والقصائد الشعرية المحفّزة على مزيد البذل والجهد. وعادة ما تقطع هذه الأناشيد صرخات مميزة تختلف طبقاتها بقدر ما تحمله من معان لا يفهمها إلاّ هؤلاء الرعاة.

بدوره، يقف “العم الهاني”، الرجل الستيني، عن قرب يواكب سير العملية، ويصدر بين الفينة والأخرى أوامره التي لا ترد،ّ كونه كبير القبيلة والمشرف العام على قطيع الأغنام والإبل.

طفل يشارك والده في عملية فصل الصوف عن جلد الشاة

وذكر الهاني أنه ورث تربية الأغنام والإبل بالمراعي الصحراوية أقصى جنوب شرقي تونس عن أبيه منذ بداية الثمانينات، وهو يشرف اليوم على تربية حوالي 300 رأس من الأغنام و100 رأس من الإبل.

غير أنّه أكّد أنّه بات يجد اليوم صعوبة في تعليم أبنائه الحياة البدوية ورعي الأغنام في ظلّ التغيّر الطبيعي لنسق الحياة والرفاهية التي يجدها الأطفال في المدن مقارنة بحياة البداوة في الصحراء.

وفي الوقت الذي يتولى فيه الرجال جزّ الأغنام، تتولى النسوة إعداد الطعام من الذبائح التي تنحر خصيصا لهذه المناسبة، إلى جانب الأرانب البرّية التي يقع اصطيادها مسبقا احتفاء بموسم الجزّ.

ويقول أحد الأبناء الصغار، الذي ما زال يتلقف تقنيات تربية الأغنام وعادات موسم الجزّ عن أبائه وعمومته، “يعتبر الجزّ “واجبا”، على كل أفراد العرش المشاركة فيه، حيث نجتمع كلّ مرّة عند مراعي عائلة معيّنة على امتداد شهر كامل في هذه المناطق الصحراوية حتى ننهي جزّ كل قطعان الأغنام”. ويضيف: “إذا ما تغيّب أحد عن المشاركة في جزّ أغنام أحد أفراد القبيلة دون عذر مسبق فإنّه لن يجد من يساعده أو يشاركه جزّ أغنامه”.

وما إن أنهى أحفاد العم الهاني الخزرواي جزّ أغنامهم قبل الظهيرة بقليل حتى جلسوا داخل إحدى الخيمات في محاولات تبدو يائسة لمقاومة قساوة العاصفة الرملية التي هبّت على المكان، وذلك لتناول طعام الغداء واحتساء الشاي الذي يمثّل فرصة للحديث والتندّر وإلـــقاء القصــــائد باللهجة العاميّة التي يصعب فهمها على من ليس منهم.

وبعد إنهاء موسم الجزّ يقوم الراعي ببيع الصوف لمعامل النسيج، بسعر يقدّر بحوالي نصف دولار للجزّة الواحدة (صوف الشاة الواحدة).

20