جسد إدريس

الأحد 2015/05/24
كان العالم يذهب في اتجاه آخر كان هو يواصل تسلق تلك الجروف التي لا تنتهي

من مخبئه في حقل الصبّار وعلى ضوء الفجر استطاع أن يرى وجه “إدريس” المدمى وهو يحدق به بعينين ميتتين، وجانب من جسده المنخّل بالرصاص بعد أن جرّوه من الحارة ووضعوه على “سنسلة” غير مكتملة في مدخل القرية غير بعيد عن المقام، أصغى إلى صوت الجثّة الفارغة وهي تشحط على التراب الملبّد للزقاق، بدا مثل كيس قمح من الخيش وهو يصعد وحيدا نحو ساحة المقام، الرصاص الذي سمعه بعد منتصف الليل في “الحارة التحتا” كان يصب في جسد “إدريس” بعد أن غادر المخبأ ليتأكد، كعادته، من خلوّ القرية من الدوريات، كان سيطلق مواء طويلا ليتبعوه أو متقطعا في حالة وجود الدورية، انتظر طويلا بعد أن هدأ إطلاق النار ولكن الإشارة لم تصل.

يحدق الآن من بين ألواح الصبار العريضة في وجه “إدريس” الناحل ويحاول أن يتذكر صوته، كان الأمر يشبه انتقالا حدث قبل إطلاق الرصاص، شيئا يشبه أنه لم يكن هنا عندما أطلقوا عليه زخات كثيرة من بنادقهم، لم يكن “إدريس” في جسده عندما حدث ذلك، ثمة حياد غريب في ملامح وجهه والنظرة البعيدة لعينيه، كما لو أنه شخص آخر، ولكنه بالتأكيد كان قد غادر جسده قبل إطلاق الرصاص.

كانت الساحة مهجورة وصامتة وثمة غبار يصل من وراء التلال ويتبدد بين أشجار الحرش، الحدث الوحيد الذي كسر تلك الصبيحة القائظة هو وصول “رفقة ” من “عرتوف ” بشعرها المكشوف وساقيها النحيلتين، منذ أيام وهي تتردد على القرية كل صباح وتسأل الفتى اليهودي عن “هاجر” وعمّا إذا كانت قد عادت، ثم يتجولان معا، هي والفتى اليهودي، بين بيوت القرية قبل أن تعود عن طريق الحرش إلى “عرتوف”، بينما يواصل الفتى مراقبتها حتى يختفي شعرها في المنحدر بين السرو.

كانت “عرتوف” قد هجرت تماما منذ الصيف الماضي، ووصلت إلى ثكنة الشرطة العثمانية، التي حافظت على اسمها العثماني حتى بعد الاحتلال البريطاني، وصلت أعداد كثيرة من المسلحين اليهود، الذين استولوا أيضا على محطة سكة الحديد المحاذية للقرية، ووصلت بعض العائلات اليهودية إلى بيوت القرية من المستوطنة القديمة “هارتوف ” التي أخذت اسم القرية في القرن الماضي، والتي أعيد بناؤها بعد تدميرها.

عائلة يهودية فلسطينية وحيدة واصلت العيش على ذلك المفترق المخيف بين روايتين، رواية القادمين التي لا تعرفها، ورواية المهجّرين التي حملوها معهم على طرق هجرتهم. “رفقة” كانت تأتي من هناك من ذلك المفترق الذي سقط على الطريق.

هذه هي المرات الأولى التي تصل فيها إلى القرية، في العادة كانت تلتقي مع “هاجر” في محطة القطار بين القريتين، كانت هاجر تقود الحصان “صالح” إلى المحطة لتنتظر والدها وشقيقها ثم زوجها فيما بعد، بينما تنتظر “رفقة ” والدتها الممرضة في “القدس”.

كان حصانا هرما وفخورا، وكانت بقعتا البياض على قائمتيه وتلك التي على غرته تشير إلى منبته الأصيل.

تخطيط: ساي سرحان

عندما وصل “محمود” والد هاجر إلى ساحة مقام النبي زكريا، كان المصلون قد تفرقوا بعد صلاة الظهر في المقام، وكانت الحرب الأولى قد وضعت أوزارها منذ ثلاث سنوات أو أكثر، وكان الجنرال الإنجليزي “النبي” قد التقط تلك الصورة الشهيرة لقواته وهي تدخل القدس، وكان هناك جنود إنجليز يجففون ملابسهم الداخلية على نوافذ المهاجع في القلعة العثمانية في “عرتوف”، وينامون على أسرة الأتراك الذين اختفوا منذ وقت طويل، وكانوا ينصبون نقاطا للتفتيش على الطريق الرئيسي بين وقت وآخر، نفس النقاط التي كان يختارها الجنود الأتراك، تحديدا تلك التي في المنعطف الذاهب إلى القدس.

وصل، محمود حسن، من الطريق الرئيسي، عبر نقطة التفتيش الإنجليزية راجلا، كان يمشي بقامته الطويلة بتمهل لا يشي بغيابه سبع سنوات طويلة منذ الصبيحة التي اقتادته فيها دورية من الجيش العثماني مقيدا مع شقيقه الأكبر “صالح “، وزجهما في تلك الحرب التي اشتعلت في مكان بعيد عن هنا، بين ملوك وسلاطين وأباطرة يحكمون البلاد الباردة. لم يكن في حينها قد تجاوز الثامنة عشرة.

أبصره أولا “يونس” الذي كان متوجها إلى المقام لتغيير ماء الوضوء، اقترب منه وحدق في وجهه قبل أن يلقي قربة الماء عن كتفيه ويركض نحو البيوت وهو ينادي أمه “عائشة” باسمها.

خرجت عائشة مكشوفة الرأس وحافية لتستقبل ابنها الأصغر في ساحة المقام، وانفتحت البوابات على جانبي الحارات الأربع حيث وصل صوت “يونس”، وتدفق منها أولاد وبنات ورجال ونساء وصل بعضهم ساحة المقام قبل “عائشة “، ليشاهدوا “محمود حسن” الذي عاد من الموت بعد أن ترحمت القرية على روحه، وبعد أن صلت عليه “صلاة الغائب” في المقام ظهيرة يوم جمعة قديم.

عندما سألته عن شقيقه “صالح” أشار إلى المهر، اقتربت “عائشة” من المهر الفتي واحتضنت رأسه وقبلت البقعة البيضاء في غرته.

عندما انتهت تلك القبلة الطويلة أصبح اسم المهر البني ببقعه البيضاء الثلاث على قائمتيه وجبهته “صالح”.

كانت تلك هي المرة الوحيدة التي سألته فيها عن شقيقه، ولكنها واصلت رعاية الحصان كما لو أنه ابنها، وهو ما واصلته حفيدتها “هاجر” بعد موتها في موسم الحصاد الثالث عشر لعودة “محمود” و”صالح”.

يظن أنها، “رفقة “، اليهودية من “عرتوف” جاءت لتسأل عن “هاجر”، وقفت طويلا أمام جسد “إدريس” الملقى على السنسلة كأنما لتعدّ الرصاصات التي نخلت جسده وتكاثفت في محيط الصدر والرقبة.

كان ذلك الفتى اليهودي ذو الملامح العربية يقف إلى جانبها صامتا، تركها وحيدة أمام جسد “إدريس” وتراجع عدة خطوات إلى الوراء، بقي واقفا هناك إلى أن استدارت ومشى إلى جانبها وهي تتجه نحو “شجرة يوسف”.

أخبره “إدريس” قبل مقتله أنه، الفتى، يهودي قدم من المغرب وعلق هنا لأمر ما وأنه خائف، وأنه سأله عن بيت “هاجر” وعن الحصان. كان هذا يقوده للتفكير بمصير “علي المغربي” الذي وصل مع والده قبل عشر سنوات من مراكش واستقر في القرية، كان “علي” ابن صفه في المدرسة، وكان لديه تلك اللكنة المغربية المحببة التي بقيت عالقة في لهجته، حيث بدا أن كل ما يقوله هو محاولة لترتيب الجمل الطائشة التي كان يطلقها بمرح خاص.

غادر الأب نحو الساحل مع مجموعات المقاومين خلال ثورة الـ36 وبقي “علي” في رعاية القرية.

في الأيام الأولى للمواجهات مع المسلحين اليهود التحق “علي” بمجموعات المقاومة، لم يخبر أحدا أغلق باب البيت ووضع المفتاح في المقام، لم يعد إلى القرية كما فعل بعض الفتيان بعد سقوط مدن الساحل الثلاث، ولكن هناك من رآه وتحدث معه بين عكا وحيفا.

سيبقى محمود حسن وسيما وطويلا ومنهمكا، دون جدوى، في ترتيب حياة رسمها له الآخرون حتى تلك اللحظة التي عثرت فيها عليه حفيدته \'هاجر\' ميتا في فراشه مثل طفل طويل

محمود حسن

سيبقى محمود حسن وسيما وطويلا ومنهمكا، دون جدوى، في ترتيب حياة رسمها له الآخرون حتى تلك اللحظة التي عثرت فيها عليه حفيدته “هاجر” ميتا في فراشه مثل طفل طويل.

ستميزه مشيته المائلة نحو اليمين حيث ترك حزام البندقية التركية أثرا واضحا مثل خيط سميك يمتد من الكتف ويحيط به، وندوب عميقة لم تشف على خاصرته، هناك عندما صعد لثلاث سنوات كاملة جروف ومنحدرات جبال اليمن ووديانها مغلوبا في جيش مغلوب، بينما في الوراء الذي يتكاثر خلف كتفيه يجف ما تبقى من جسد شقيقه الأكبر “صالح “، الذي دفع كل ما يملك ليبقى إلى جانبه في تلك الحملة المنسية في أرض اليمن، وبينما كان العالم يذهب في اتجاه آخر كان هو يواصل تسلق تلك الجروف التي لا تنتهي.

ستميزه تلك الخطوط المرسومة في جبهة صافية وعينين بلون النعنع الغض. سيميزه غضبه الذي يلقيه على أشجار الحرش وخرائب التل الكبير وهو يذرعهما دون غاية. وستميزه إشارات الألم التي رسمتها حياة متعثرة بحاجيات الآخرين وأحلامهم، الأحلام المستخدمة التي يواصلون زجها في جنبات حياته وعند مخدته.

حياة كانت من القسوة والخبث حيث لم تسمح له باللعب مع جماله الاستثنائي وجسده المنحوت بدقة نحات.

كان الحصان هو ملاذه الذي واصل رعايته بامتنان غريب، كان مكانه الوحيد وصاحب عزلته التي حافظ عليها بعناد وقسوة اكتسبهما من سنوات الجندية الثلاث ثم سنوات الاختفاء الأربع التي استغرقتها عودته من اليمن إلى القرية.

كانا يتحولان إلى توأم بشري بمجرد خروجهما من بيوت القرية والدخول في شعاب “وادي بولس”، وهو ما رواه رعاة كانوا يسوقون قطعانهم في الوادي شاهدوا الشقيقين يصعدان نحو الخرابات، فيما يقسم “يونس” أنه سمع صوت “صالح” وهو يتحدث إلى محمود وأن الصوت كان قادما من الحصان.

كان هذا قبل أن تزوجه العائلة وقبل أن تولد هاجر التي ورثت عنه كل شيء إلا غضبه وسوء حظه، فبدت مثل هدية سماوية متأخرة.

“رفقة” كانت صديقة “هاجر”، التقتا طفلتين على محطة القطار القادم من القدس في طريقه إلى اللدّ، تهبط رفقة من “عرتوف” الأثرب على المحطة، وتصل “هاجر” على الحصان من “زكريا”، ثم راهقتا هناك، ولكنهما لم تتجاوزا تلك المساحة الضيقة بين شجرات الكينيا المعمرة على جانب المحطة وكوخ الحارس.

في تلك المساحة الضيقة المحاطة بأشجار الكينيا علمت “هاجر” صديقتها اليهودية ركوب الحصان، واحتفظت “رفقة” للحصان “صالح ” بحصة كاملة من قطع السكر التي كانت تحضرها أمها الممرضة من القدس.

كانت تلك هي المرة الأولى التي تصعد فيها “رفقة” إلى القرية عبر الحرش لتسأل الفتى المغربي عن “هاجر”.

ثم سألت عن الحصان.

أنت أفضل مني يا “يحيى”.

تخطيط: ساي سرحان

فكرة المخبأ السري كانت تستولي عليه وتقوده إلى كهوف متوارية وخرائب مدفونة في السفوح والوديان، لقد وزع مخابئه في كل الاتجاهات وأطلعه، دون غيره، على معظمها وأهداه في نوبة كرم مخبأ “الدير” في الخرابات الشرقية للقرية، أخذه من يده بعد المدرسة حتى آخر البيوت ثم انطلق يركض ويصرخ ويلوح بيديه للأقواس المتآكلة والأنفاق والأرضيات التي غطى بلاطها التراب ونبتت الأعشاب في شقوقها، كان ينادي كمن أصابه مسّ، كما لو أنه أصبح سواه.

تبعه حتى توغلا داخل الخرابات، سار “يحيى” على حواف الجدران المهدمة وهو يتوازن بيديه مثل طائر قبل أن يهبط على الأرض وينحني تحت ألواح صبارة معمرة، هناك كشف بعصا ثقيلة فتحة تؤدي إلى درج حجري انهارت بعض أطرافه، أشار إليه أن يتبعه ولكن خوفه من الأفاعي المعمرة ذات القرون والمغطاة بالريش، التي تعيش في الخرابات قيد قدميه، كان صوت “يحيى” يأتي من العتمة يحثه على النزول، ثم لمح بصيص ضوء فنزل الدرج الذي بدا طويلا يدله الضوء، في نهاية الدرجات كان “يحيى” يقف وسط ساحة دائرية مبلطة وبيديه السراج الذي حوّل الجدران إلى ظلال راقصة.

كان المكان سليما قياسا بسطح الخرابة ومظهرها الخارجي، ونظيفا ورطبا، استطاع أن يتبين هيكل المذبح وظلالا متداخلة لرسومات كثيرة على الجدران، وفي السقف كانت مريم تطل عليهما وهي تحتضن ابنها، واصل مشدوها تتبّع الضوء في يد “يحيى” الذي بدا فخورا، ثم سمع صوته الذي يحبه:

أرأيت، لا يوجد أفاع؟

أين هي الأفاعي؟

هل قابلتك أفعى على الدرج؟

الأفاعي كائنات خجولة ولا تحب البشر.

كان يقف الآن وخلفه تمثال متآكل لسيدنا الخضر وهو يطعن التنين، حصان الخضر كان سليما باستثناء الجزء المنحني من قائمته الأمامية ولكن اندفاعته بقيت كاملة، التنين كان سليما وفي طريقه للموت.

واصل “يحيى” حمل السراج في أرجاء الساحة وعندما تأكد تماما من أثره على صديقه المذهول، سأله:

هل أعجبك المخبأ؟

أومأ برأسه وهو ينظر نحو ما يشبه خارطة تحتل مساحة واسعة من الأرضية.

سأعطيك إياه إذا أحببت، قال “يحيى” فيما صدى رطب وقديم يرجع صوته،

سأعطيك المخبأ وسيكون لك وحدك.

صمتا طويلا قبل أن يسمع صوت “يحيى”:

أنت أفضل مني.

ثم سمع صدى صوته وهو يعود من رحلة قديمة وبعيدة:

بل أنت أفضل مني يا “يحيى”.

فيما بعد ستتحول تلك الساحة إلى ملجئه الخاص وملاذه في البحث عن عزلته، وسيزوره الجني الذي تبعه إلى ذلك البهو المسيحي وسيقرأ على مسمعه آيات من سورة مريم وهي تطل عليهما من ذلك السقف، ستصله بقوة طاقة الحب الغريب التي تحملها تلك الآيات وإيقاع الياء المذهل الممتد بلا نهاية أو وقوف، وسيشعر بتلك الياءات المشددة وهي ترتفع من أوراق المصحف إلى السقف حيث تتلقاها السيدة هناك بحجابها الخفيف.

كانت سورة مريم بالنسبة إليه ملاذا سريا يشبه القرية ويجمعها في سلسلة من الحكايات والأسماء التي ما زال الناس يحملونها ويتجولون بها مثل حقوق منحها لهم المكان.

كانت تشبه “مخبأ الدير” وتترجّع فيها وتمنحه تلك الطمأنينة الخاصة التي يقتسمها برضا عميق مع مريم.

فصل من رواية قيد الكتابة

البداية كانت تذهله تلك الحروف الغامضة “كهعيص…” التي تمهد للصعود نحو المعجزة، كان يشعر أن درجا حجريا يبدأ بالظهور تحت قدميه كلما بدأ بقراءتها، ثم السرد المتنامي بما يشبه لقية وليس مجازا، النداء المجرد للاسم البسيط الذي علق بالتاريخ مثل وشم عميق، المرأة باسمها المجرد البسيط كعنوان لكل شيء، امرأة مقدسة منحت الطريق بين الناصرة وبيت لحم تلك القداسة، كان يحب أن يرسم طريقهما على التراب بغصن جاف، يكتب الناصرة ثم زكريا ثم بيت لحم ويربط بين النقاط الثلاث، وعندما يغمض عينيه ويضع يده على الخطوط كان يلمحهما وهما يعبران هذه التلال، مريم ويوسف، ويسمع حديثهما المتكتم في طريقهما إلى بيت لحم.

وكان يفكر دائما أن هذه السورة تحديدا هي سيرة القرية واسمها الممتد، النداء السماوي الذي يغمر “زكريا”.

السلسلة التي تتبع زكريا ويحيى ومريم، عيسى إدريس وموسى وإبراهيم وإسماعيل وإسحق ونوح جميعهم وصلوا هنا إلى السورة بمعجزاتهم ومصائرهم الموصوفة بعدل سماوي. وكان كلما غادر البهو وقطع طريقه نحو بيوت القرية يشعر أنه خرج لتوّه من حلم مبلل ومعشب، ويغمره إحساس بأن الأمر برمّته ليس حقيقيا.

كان يقف، كما لو أن نداء خفيا ينبع من جسد شجرة البلوط في مدخل القرية من جهة “وادي بولص”، “شجرة يوسف”، لا أحد يتذكر بالضبط كيف حملت ذلك الاسم، ثمة أكثر من رواية، رواية ياسين ورواية يونس ورواية زليخة، ولكنه كان يشعر على نحو ما أن رواية ياسين تناسبه، كانت حكاية بسيطة وحاسمة دون ثغرات، تحمل تلك النكهة التي تميز روايات ياسين المبنية على التقشف، والتي تصل سامعيها بقوة شهادة محايدة وغير معنية، كانت تلك قوة القص التي يتمتع بها ياسين، لا مبالاته القاسية بثقة المستمع، يلقي حكايته دون أن يلتفت أو يتوقف، التي تقول:

إنه في اليوم الثاني لاختفاء “يوسف” ظهرت الشجرة من العدم، كانت إشارة للطريق الذي سلكه الطفل ابن السابعة صبيحة يوم اثنين في اليوم الثاني لعيد الفطر بعد شهر رمضان.

فيما يروي يونس أنها، الشجرة: كانت في الأصل على سفح الوادي الشرقي، وأنها صعدت ونمت ليلة اختفاء “يوسف”، وواصلت سيرها من صلاة العشاء حتى صلاة الفجر حيث وصلت إلى مكانها الحالي. ولكن ذلك لم يمنع أم يوسف من حمل الماء كل صباح، وقبل أن تبدأ بإشعال “الطابون”، إلى الشجرة، كما لو أنها تسقي ابنها، أو وهذا تفسير ياسين، لتظل، الشجرة، خضراء وقادرة على إرشاد يوسف لطريق العودة.

فيما يكرر يونس، بلا ملل، أن لا معنى من سقاية البلوط فهو شجر إلهي مثل الزيتون تكفل الله برعايته.

كان يفكر بكل هذا، وسواه في استلقائه الطويل على أرضية الدير، على الخريطة التي لم يفك رموزها، بينما الصوت يذهب بعيدا في أنفاق الخرابة ومتاهاتها ويلمس الجدران المتراكمة في العتمة، ويتكاثر ويتردد بطبقات متعددة، كما لو أن أصواتا أخرى كثيرة، طال انتظارها، قد استيقظت من سبات طويل ونهضت للتو، ويختلط مع كل شيء، العشب الرطب والأيقونات المدفونة والأفاعي العمياء والتماثيل والرسومات والحجارة التي يصل تنفسها باردا من الآبار.

-أنت أفضل مني.

-بل أنت أفضل مني يا يحيى.

شاعر من فلسطين، والنص عبارة عن فصل من رواية لم تنشر

تنشر بالاتفاق مع "الجديد" اللندنية
14