جسد الكنيسة السريانية تطاله شظايا الأزمة السورية

الخميس 2017/02/16
كنيسة أصيلة في مرمى نيران التشدد

سيف التكفير والقتل الذي سلطه تنظيم داعش وغيره على أعناق الأبرياء من الأديان الأخرى، والسادية الدموية في فرض هيبته وانتشاره على الأرض، سيغرسان أشواك الكراهية ويسقطان تسامح الأديان في المناطق التي تعرضت لاعتداءات من قبله، ويتركان أثرهما لأجيال قادمة على إمكانية التعايش المسيحي الإسلامي الذي ساد سوريا عبر التاريخ.

ما تعيشه الكنيسة السريانية، أم الكنائس المشرقية، من خلاف وصل حدّ الانشقاق يدلّ على أنها لم تسلم من أهوال الحرب.

ففي زمن القتل والتهجير بتاريخ 31 مارس 2014 انتخب مار أفرام الثاني كريم، كأول بطريرك سوري الجنسية، والقادم من أبرشية نيوجرسي الأميركية بطريركاً للكرسي الأنطاكي الرسولي ورئيساً أعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، حيث جذر السريان وأم الكنائس المشرقية التي يتوزع رعاياها في دول المشرق وفي قارات العالم الخمس، ككنيسة جامعة لكل سريان العالم والتي تبدو كحمل ثقيل نتيجة تراجع سلطة الكنيسة على الرعية.

من سوء حظه أنه أصبح بطريركاً وسوريا تعصف بها ظروف الاضطرابات الأمنية والسياسية الأسوأ منذ استقلالها في العام 1946، والتي طالت رعيته في اختلاف الآراء السياسية وانقسام أفراد الرعية بين الفرقاء المتحاربين حيث يؤيد بعضهم النظام وبعضهم الآخر يؤيد المعارضة، وبعضهم مُتحالف مع الأكراد، بحيث لا يجتمعون على رأي واحد تجاه الواقع العام الذي يعيشه السوريون. أمام هذا الاختلاف تمت مؤاخذة البطريرك أفرام على الكثير من المواقف وتم وصفه بالخروج عن قوانين الكنيسة، وعدم الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وانحيازه لجانب النظام والتماهي معه، وتشجيعه ومباركته لكل شخص حمل السلاح بمواجهة الفصائل المسلحة وخصوصا داعش، يضاف غلى ذلك إنذاره بكتاب كنسي رسمي لأحد الكهنة نتيجة نشاطه على صفحات التواصل الاجتماعي بناء على تقرير فرع مكافحة جرائم المعلوماتية التابع لإدارة الأمن الجنائي بدمشق، واعتبرت عزفا على وتر النظام.

المواجهة الأخيرة التي تلبّدت بها سماء كنيسة السريان الأرثوذكس والتي تهدد وحدتها وكيانها، كانت خير دليل على مدى التأثر بالحرب السورية ونوازعها وما غرسته في القلوب من أحقاد، إذ واجه البطريرك اتهامات من 6 مطارنة، أربعة منهم أعضاء في المجمع، واثنان من خارجه، أعلنوا في الـ8 من الشهر الجاري في بيانهم “حجب الثقة رسميا” عن البطريرك، “لتسببه بقطع شركة الإيمان.. ويسقط عنه حق المرجعية الأولى من حيث الإيمان والعقيدة وإدارة الكنيسة وشؤونها”. وجاء إعلانهم بحجب الثقة ردا على قوله “النبي محمد جاء من أجل الإنسان” ورفعه “القرآن الكريم” ووضعه على رأسه في احتفالية تحرير حلب، في وقت لم تجفّ بعد الدماء التي خلفها داعش.

فمنذ بدء الحرب تعرض المسيحيون لأضرار كبيرة مقارنة بأعدادهم ويُقدّر عدد النازحين بنحو 450 ألفا داخل سوريا وخارجها، وعدد الضحايا بنحو 1200، ودُمرت 60 كنيسة تاريخية، وأُفرغت 24 بلدة من سكانها، كما اختُطفت 12 راهبة من مدينة معلولا، ولا يزال مصير مطراني حلب بولس يازجي ويوحنا إبراهيم، إضافة إلى الأب الإيطالي باولو دالوليو وعدد من الكهنة مجهولا.

ما قام به البطريرك اعتبر مخالفة للعقيدة المسيحية وزعزعة للإيمان المسيحي على حدّ قولهم، وشنّوا حملة إلكترونية وصلت حدّ التشهير، وقد جاء بيان لآباء المجمع المقدس برفض الاتهامات، مؤكدا دعم البطريرك وأن ما أثير من قبل المطارنة هو حجة لحركة عصيان وتمرد على البطريرك، فهم “يتحججون بأن البطريرك رفع القرآن، صحيح أن ذلك حصل، لأن المسيح أمرنا بأن نحب كل الناس، وأن نكون فاعلي سلام مع الكل… وهو احترام لمشاعر ملايين ممّن يؤمنون به في العالم. نحن نلتزم إيمان الكنيسة والرسل، والذي وصل إلينا بثمن باهظ هو دم الشهداء”. ووفقا لنظام الكنيسة السريانية الأرثوذكسية فإن المجمع المقدس برئاسة البطريرك هو أعلى سلطة في الكنيسة، وبهذا يبقى الحل في انتظار انعقاد المجمع وقبول البطريرك مدّ يد المصالحة، وفي انتظار ذلك تستمر المواجهة التي يُخشى تفاقمها، خصوصا مع تنفيذ المطارنة تهديدهم “بإلغاء صفة النيابة البطريركية عن أبرشياتنا، وعدم العودة إلى البطريرك في مختلف الرسامات والترقيات”.

أهوال الدماء في سوريا لم توقفها كلمات المسيح “أحبوا بعضكم بعضا” التي تردد صداها مع قرع أجراس الكنائس، فأم الكنائس (الآشورية، الكلدانية، المارونية) والإرث الحضاري المشرقي العريق لشعب بلاد ما بين النهرين وسوريا الكبرى (التاريخية) لم تستطع النأي بالنفس أو التعالي على الأحداث، ولم تسلم مما زرعته أيدي التكفير من رفض للآخر في النفوس وتسير نحو الانقسام على درب جلجلة المشرق الدامي.

13